حكايات بسمه

بنتي ما بقاش ليها أم… ساعديني وأنا هصلحلك بيتك، ده اللي قاله الراجل الأرمل للأم المطلقة.
ساعدي بنتي وأنا أصلحلك البيت. السقف، الشبابيك، كل اللي تحتاجيه. بس أرجوكي ما تقفليش الباب في وشنا.
سميرة بصت للراجل الغريب من ورا البوابة.
كان قميصه مبلول مياه، وماسك شنطة عدّة في إيد، ولَفّة صغيرة حاططها على صدره. لما أزاح الغطا، شافت وش طفلة صغيرة.
كانت يا دوب فيها حيل تعيط.
سميرة ضمت حسن، ابنها اللي عنده ٥ شهور. وياسين، ابنها التاني اللي عنده ٧ سنين، مسك في جُبّتها.
كانوا لوحدهم في البيت على أطراف البلد. المطر بقاله ٣ أيام بيطبل على الطرق، والكوبري اللي على المدخل لسه مقفول.
مالها الطفلة؟
الراجل بلع ريقه وصدمته.
مراتي اتوفت بعد الولادة. كنت بحاول أوصل للوحدة الصحية بس رجعوني. واحد جارنا قال إن فيه ناس عايشة هنا.
سميرة بصت ناحية الشارع الفاضي.
اسمك إيه؟
أحمد.
ما حاولش يقرب. فضل واقف تحت المطر مستنيها تقرر.
حسن بدأ يتحرك تدريجياً يدور على اللبن. أحمد نزل عينه في الأرض كسوفاً.
سميرة فهمت كل حاجة قبل ما هو يتكلم.
فتحت البوابة.
استنى أنت في المصطبة. وهات البنت.
الطفلة كانت متلجة. سميرة خدتها جوة، لفتها في بطانية ناشفة، وقعدت جنب الشباك. وهي بتحاول ترضعها، طلبت من ياسين يجيب التليفون.
عرفت توصل لممرضة صاحبتها في البلد. شرحتلها اللي حصل وخدت منها تعليمات عشان تخلي بالها من البنت لحد ما يقدروا ينقلوها.
أحمد فضل برة، مش بيتحرك، باصص من ورا الإزاز.
أول ما البنت بدأت ترضع، غطى وشه.
سميرة لمحت كتافه وهي بتهتز.
ما كانش راجل واخد على الشحاتة أو الطلب. كان أب خلاص جاب آخره ومش عارف يعمل إيه.
سمحتله يبات الليلة دي في الأوضة اللي في المخزن برة.
بكرة، أول ما الطريق يفتح، تاخدها تكشف عليها.
حاضر يا ست الكل.
ولو احتجت أي حاجة قولي. ما تستناش لما حالتها تسوء.
أحمد هز رأسه كذا مرة لدرجة إنها اضطرت تدور وشها الناحية التانية.
بيت سميرة كان بتاع جدودها. كان فيه شجر فاكهة، وجنينة صغيرة، ومصطبة طويلة مكسورة من ناحية.
جوزها، محمود، سابها وسافر لما كانت حامل في حسن. وعدها يبعت فلوس ويرجع ياخدهم.
في الأول كان بيكلمها.
بعد كده بدأ ما يردش.
سميرة كانت بتبيع مربى ومخللات وتطريز في السوق. بتدفع منها الأكل والمدرسة والمصاريف. أما السقف فكان دايماً بيتأجل.
لما كانت تمطر، كانت تحط جردل في الصالة وجردل تاني جنب سريرها.
الفجرية دي قامت ٣ مرات مرة عشان حسن، ومرة عشان تطمن على الطفلة، ومرة عشان تغير الجردل لما يتملي.
مع أول الضوء، لقيت أحمد واقف باصص على الشباك المعووج وقال…..
حكايات بسمة
مين عاوز التكمله؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكمالجزء الثاني
مع أول ضوء، لقيت أحمد واقف باصص على الشباك المعووج.
سميرة خرجت له وهي بتعدل طرحتها وقالت
إنت صاحي من إمتى؟
بص لها، وبعدين للشباك.
من بدري.
والبنت؟
نايمة.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا لاحظت إن المية بتدخل من الشباك ده كل ما المطر يزيد.
سميرة ابتسمت ابتسامة صغيرة
البيت قديم وأنا متعودة.
هز رأسه وقال
لأ مش المفروض تتعودي على كده.
سميرة بصت له باستغراب.
يعني إيه؟
حط شنطة العدّة على الأرض وفتحها.
يعني أصلحه.
تصلح إيه؟
البيت كله.
سميرة ضحكت بخفة.
وإنت جاي ومعاك طفلة رضيعة وسط المطر عشان تصلحلي بيتي؟
أحمد بص لها بجدية.
أنا قلتلك امبارح ساعديني في بنتي وأنا أصلحلك بيتك.
وأنا ساعدتك عشان الطفلة محتاجة، مش عشان آخد منك حاجة.
ابتسم لأول مرة.
وأنا هصلحه عشان أنا محتاج أحس إني لسه قادر أعمل حاجة كويسة.
سميرة سكتت.
الكلام لمس حاجة جواها، لكنها حاولت تخفي ده وقالت
الطريق لسه مقفول.
عارف.
والبنت لازم تتكشف.
عارف.
وإنت ما معاكش فلوس كفاية، صح؟
أحمد نزل عينه.
مش كتير.
سميرة دخلت المطبخ، وطلعت كيس صغير فيه فلوس.
مدتهوله.
خد دول.
رفع عينه بسرعة.
لا.
خدهم.
مش هاخد منك فلوس.
دي مش فلوس ليك دي للبنت.
فضل ساكت.
وبعدين قال بصوت واطي
أنا مش عارف أشكرك إزاي.
سميرة ردت بهدوء
لما بنتك تكبر وتبقى كويسة، ابقى اشكر ربنا.
وفجأة، سمعوا صوت بكاء الطفلة من جوه.
أحمد اتحرك بسرعة، لكن سميرة سبقته.
دخلت الأوضة وشالت الصغيرة.
وأول ما قربتها من صدرها، سكتت الطفلة.
أحمد وقف عند الباب وبص للمشهد في صمت.
وبعدين قال
اسمها مريم.
سميرة بصت له.
مريم؟
أمها هي اللي اختارت الاسم.
صوته اتغير.
كانت بتقول إنها نفسها تشوفها وهي كبيرة بس ما لحقتش.
سميرة ضمت الطفلة أكتر.
ربنا يرحمها.
أحمد مسح دمعة نزلت غصب عنه.
وفي اللحظة دي، ياسين دخل وهو شايل طبق فطار.
ماما، أنا حطيت لأحمد عمو الأكل.
أحمد ابتسم.
أحمد عمو؟
ياسين هز راسه.
أيوه أصل إنت هتصلح شباكنا، صح؟
ضحك أحمد لأول مرة من قلبه.
هصلحه يا سيدي.
ياسين قرب منه وقال بحماس
وكمان السقف؟
أحمد بص لسميرة.
سميرة قالت بسرعة
بلاش تطمع يا ياسين.
لكن أحمد رد
السقف كمان.
سميرة اتفاجئت.
أحمد، أنا قلتلك مش عايزة منك حاجة.
بص لها وقال
وأنا قلتلك مش هسيب البيت ده ينزل منه المطر على ولادك وأنا واقف أتفرج.
سكتت.
ولأول مرة من سنين، سميرة حسّت إن حد شايف التعب اللي كانت بتخبيه عن كل الناس.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي هيحصل بعد ما الطريق يفتح، هيغيّر حياتها وحياة ولادها للأبد.
لأن بعد ساعتين بس
وصلت عربية قدام البيت.
ونزل منها راجل لابس بدلة غالية، وبص ناحية سميرة وقال
إنتِ سميرة؟
اتجمدت مكانها.
لأنها كانت عارفة الصوت ده
كان صوت محمود، جوزها اللي اختفى من شهور الجزء الثالث
سميرة فضلت واقفة مكانها كأن رجليها اتثبتت في الأرض.
محمود؟
بعد شهور من الاختفاء وبعد ما سابها وهي حامل، من غير نفقة ولا سؤال ولا حتى مكالمة؟
بصت للرجل اللي واقف قدام البوابة، وقالت بصوت متقطع
إنت محمود؟
نزل من العربية، وعدّل ياقة الجاكت بتاعه، وبص للبيت القديم بنظرة ضيق.
أيوه. أنا محمود.
ياسين جري ناحية أمه ومسك في إيدها.
أما حسن فكان نايم جوه.
سميرة حاولت تتحكم في صوتها
إنت كنت فين؟
محمود ما ردش.
بدل ما يبصلها، بص ناحية أحمد اللي كان واقف جنب الشباك ومعاه شنطة العدّة.
وبعدين عينه وقعت على الطفلة اللي كانت سميرة شايلها.
وشه اتغير.
مين دي؟
سميرة ردت بهدوء
طفلة محتاجة مساعدة.
محمود ضحك بسخرية.
وأنا غايب عن البيت، وإنتِ بتدخلي رجالة وعيال غريبة؟
أحمد رفع عينه له، لكنه ما ردش.
سميرة اتصدمت من كلامه.
إنت بتتكلم عن إيه؟
بتكلم عن بيتي.
بيتك؟
ضحكت بمرارة.
البيت ده أنا اللي عايشة فيه من شهور أنا اللي بدفع مصاريفه أنا اللي بصرف على ابنك وإنت كنت فين؟
محمود قرب خطوة.
أنا كنت بشتغل.
تشتغل؟
أيوه.
طب كنت بتشتغل فين لدرجة إنك ما قدرتش تبعت حتى تمن اللبن؟
محمود سكت.
سميرة كملت
كنت ببيع اللي عندي عشان أطعم ابنك، وإنت ما سألتش حتى هو عايش ولا لأ.
محمود بص لها ببرود.
أنا رجعت عشان آخدكم معايا.
سميرة اتفاجئت.
تاخدنا فين؟
القاهرة.
ليه؟
عندي شغل وبيت هناك.
لأول مرة، أحمد تدخل.
لو سمحت، البنت تعبانة.
محمود لف له بسرعة.
وإنت مالك؟
أحمد رد بهدوء
ولا حاجة. أنا بس بطمن على بنتي.
محمود بص للطفلة، وبعدين رجع بص لسميرة.
بنتك؟
سميرة قالت
دي بنته.
محمود سكت ثواني، وبعدها قال بنبرة مليانة





