حكايات رودي خالد

في صباح شتوي شديد البرودة، كانت المقابر مغطاة بطبقة خفيفة من الثلج.
السماء كانت رمادية، والهواء ساكن بشكل غريب، وكأن القرية كلها توقفت عن الحركة احترامًا للجنازة.
كان الطفل آدم عنده سبع سنين فقط.
طفل هادئ، بيحب الرسم، وكان دايمًا يقضي وقت طويل جنب الغابة القريبة من بيتهم، يجمع الحجارة الغريبة والأغصان ويحتفظ بيها في صندوق خشبي صغير.
لكن من ثلاثة أيام، أصيب بمرض مفاجئ.
حالته تدهورت بسرعة، والأطباء حاولوا ينقذوه، لكن قلبه توقف قبل ما يكمل أسبوعه الثامن.
في يوم الجنازة، وقف والده حسام أمام القبر بصمت.
كان ماسك في إيده رسمة قديمة لابنه.
رسمة لثلاثة ذئاب واقفين قدام شجرة كبيرة.
والغريب إن آدم كان رسمها قبل وفاته بيومين فقط.
أمه ليلى كانت واقفة بجواره، ووشها شاحب من الحزن.
بعد انتهاء الصلاة، بدأ العمال يردمون القبر.
حفنة تراب وراء حفنة
حتى اختفى التابوت تمامًا.
بدأ الناس يتحركون استعدادًا للرحيل.
وفجأة
جاء صوت عواء من ناحية الغابة.
الكل وقف.
ظهر ذئب ضخم بين الأشجار.
ثم ظهر الثاني.
ثم الثالث.
تلاتة ذئاب اقتربوا من المقابر ببطء.
الناس تراجعت في خوف.
لكن الحيوانات لم تهاجم أحدًا.
اتجهت مباشرة إلى قبر آدم.
وفجأة بدأت تحفر.
مخالبها كانت تشق التراب بسرعة مذهلة.
صرخ أحد الرجال
ابعدوا الحيوانات!
حاول بعض الموجودين تخويفها، لكنها لم تتراجع.
كان واضحًا أنها تبحث عن شيء محدد.
حسام ظل واقفًا يراقبها.
ثم فجأة رفع يده.
استنوا.
الكل سكت.
قال حسام
ماحدش يقرب منها.
واحد من الرجال رد
إنت عايز تسيبها تنبش قبر ابنك؟
حسام لم يرد.
كان ينظر إلى الذئب الأكبر.
لاحظ شيئًا غريبًا.
الذئب كان يحفر في مكان محدد بالضبط، بعيدًا عن رأس الطفل.
وكأنه يعرف مكان شيء موجود تحت الأرض.
أمسك حسام أداة حفر وبدأ يساعد.
بعد دقائق، اصطدمت الأداة بشيء صلب.
توقف الجميع.
أزالوا التراب بحذر.
ظهر جزء من التابوت.
لكن بجانبه
كان هناك صندوق معدني صغير.
حسام نظر إليه بدهشة.
الصندوق ده مش بتاعنا.
أحد العمال قال
مستحيل الأرض دي ماحدش حفر فيها قبل كده.
أخرجوا الصندوق.
كان عليه قفل قديم.
والأغرب أن الذئاب توقفت عن الحفر بمجرد ظهوره.
ثم وقفت بعيدًا تراقب.
حسام وجد مفتاحًا صغيرًا داخل جيب معطف ابنه، كان قد وضعه هناك قبل الدفن.
تذكر وقتها أن آدم أعطاه المفتاح قبل وفاته بيوم وقال له
بابا، ده بتاع حاجة مهمة بس افتحه لما أقولك.
حسام لم يفهم وقتها.
لكنه الآن أدرك أن المفتاح كان مناسبًا تمامًا لقفل الصندوق.
فتحه.
وجد بداخله دفترًا صغيرًا.
فتح الصفحة الأولى.
كانت مكتوبة بخط آدم
بابا أنا لقيت حاجة في الغابة.
قلب حسام الصفحة.
كنت بلعب جنب الشجرة الكبيرة، وسمعت صوت من تحت الأرض.
صفحة أخرى
لقيت باب حديد مخبي تحت التراب.
ثم صفحة أخيرة
لو حصل لي حاجة، دور على الباب.
حسام شعر ببرودة تسري في جسده.
رفع رأسه ونظر ناحية الغابة.
في تلك اللحظة، تحرك الذئب الأكبر.
مشى عدة خطوات
ثم توقف عند حدود الأشجار.
وبص ناحية حسام.
وكأنه ينتظره.
حسام أخذ الدفتر ووضعه في جيبه.
ثم قال للرجال
الدفن يتكمل بعدين.
أحدهم سأله
رايح فين؟
رد حسام
الغابة.
ثم بدأ يمشي ناحية المكان الذي كان آدم يرسمه دائمًا.
بعد دقائق، وصل إلى شجرة ضخمة.
تحتها كانت الأرض مغطاة بالثلج.
لكن في وسط الثلج ظهر شيء مستطيل
باب حديد قديم.
حسام أزاح الثلج.
وجد فتحة المفتاح.
أخرج المفتاح الذي كان في الصندوق.
وأدخله في القفل.
سمع صوتًا معدنيًا عميقًا.
طَق.
وانفتح الباب ببطء.
وفي اللحظة التي فتح فيها، ظهرت أمامه درجات حجرية تنزل إلى مكان مظلم تحت الأرض.
وعلى أول درجة
وجد شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقه.
كانت هناك رسمة آدم.
نفس رسمة الذئاب الثلاثة.
لكن تحتها جملة واحدة
أنا مش أول طفل لقى المكان ده.
حسام وقف أمام الدرج
وعرف أن وفاة ابنه لم تكن نهاية القصة.
كانت بداية السر حسام وقف عند أول درجة، والهواء البارد طالع من جوه المكان كأنه خارج من بئر عميق.
وراه، كان العمال وأهل القرية واقفين بعيد، محدش قادر يقرر يدخل ولا يرجع.
واحد من الرجال قال
حسام استنى. المكان ده ممكن يكون خطر.
حسام أشار للدفتر في إيده.
ابني دخل هنا قبل كده. ولو كان كتب الكلام ده، يبقى لازم أعرف هو شاف إيه.
نزل أول درجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
كل خطوة كانت بتكشف ممر حجري قديم.
على الجدران كانت فيه علامات غريبة محفورة في الحجر.
ذئاب
أشجار
وأسماء أطفال.
حسام قرب من أحد الجدران، وبدأ يقرأ.
يوسف 1998
محمود 2004
سليم 2011
ثم وجد اسمًا أحدث.
آدم 2026
توقف مكانه.
مستحيل
ابنه مات منذ ثلاثة أيام فقط.
إزاي اسمه مكتوب هنا؟
اقترب أحد الرجال منه، ولما شاف الاسم، اتغير لون وشه.
أنا أعرف المكان ده.
حسام بص له بسرعة.
تعرفه؟
الرجل سكت لحظات، ثم قال
أبويا كان بيحذرنا من الغابة دي وإحنا صغيرين. كان بيقول إن فيه أطفال اختفوا هنا زمان.
حسام فتح دفتر آدم مرة أخرى.
وجد صفحة لم يلاحظها من قبل.
كانت فيها جملة قصيرة
الأطفال ما اختفوش كانوا بيحاولوا يحذرونا.
وفجأة
جاء صوت من آخر الممر.
صوت حجر بيتحرك.
الكل سكت.
ثم ظهر ضوء ضعيف من غرفة بعيدة.
حسام أمسك المصباح واتجه نحوه.
دخل الغرفة.
كانت مليانة صناديق خشبية قديمة.
فتح أول صندوق.
وجد ملابس أطفال.
فتح الثاني.
وجد ألعابًا ورسومات.
وفي الصندوق الثالث
وجد عشرات الدفاتر.
كل دفتر باسم طفل.
حسام بدأ يقلب فيها بسرعة.
واحد من الدفاتر كان مكتوبًا عليه
آدم.
فتحه.
كانت أول صفحة مؤرخة قبل وفاة آدم بشهر.
النهارده سمعت صوت من تحت الأرض.
صفحة أخرى
الذئاب بتظهر كل مرة حد يدخل المكان.
صفحة ثالثة
الذئاب مش بتهاجم الناس. هي بتحاول تمنعهم من دخول المكان الغلط.
حسام توقف.
وفهم فجأة سبب ظهور الذئاب عند القبر.
لم تكن تريد نبش جثة ابنه.
كانت تحاول لفت انتباههم إلى شيء مدفون بجوار القبر.
لكن لماذا؟
قلب آخر صفحة.
وجد جملة جعلته يتجمد
بابا، لو أنا مت، متدورش على اللي قتلني دور على اللي كان بيحاول ينقذني.
في اللحظة نفسها، سمعوا صوت خطوات فوقهم.
خطوة
ثم خطوة أخرى.
الجميع رفعوا رؤوسهم.
صوت شخص كان يمشي فوق الباب الحديدي.
ثم سمعوا صوتًا واضحًا
مين اللي دخل هنا؟
حسام أطفأ المصباح فورًا.
الكل اختبأ خلف الصناديق.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم نزل شخص إلى الممر.
كان يحمل مصباحًا في يده.
اقترب من الغرفة.
حسام كان مستعدًا لمواجهته، لكنه فجأة سمع الرجل يقول
آدم؟
حسام اتصدم.
الرجل دخل الغرفة، ونظر إلى الدفاتر.
ثم قال بصوت حزين
كنت عارف إن الولد هيلاقي المكان في يوم من الأيام.
حسام خرج من مخبئه.
إنت مين؟
الرجل رفع المصباح.
وكان في يده صندوق صغير.
قال
أنا الشخص اللي حاول يحذر ابنك قبل ما يفوت الأوان.
حسام اقترب منه بسرعة.
تحذره من إيه؟
الرجل وضع الصندوق على الأرض.
فتح الغطاء.
وفي داخله كانت مجموعة صور قديمة.
إحدى الصور كانت لثلاثة أطفال أمام الغابة.
وعلى ظهرها تاريخ قديم.
الرجل قال
الحقيقة إن آدم ماكانش أول طفل يكتشف المكان لكنه كان أول واحد يكتشف السبب الحقيقي لوجود الذئاب هنا.
ثم أخرج آخر صورة.
نظر إليها حسام
وشعر أن قلبه توقف للحظة.
لأن الصورة كانت لآدم نفسه.
لكنها لم تكن حديثة.
كانت ملتقطة قبل سنوات طويلة من ولادته.
والأغرب
أن آدم كان واقف فيها بجوار نفس شجرة الغابة.
وبجانبه رجل لم يكن حسام يعرفه.
وفي خلفية الصورة
كانت الذئاب الثلاثة تراقبهم من بعيد حسام فضل باصص للصورة ومش قادر يستوعب اللي شايفه.
رفع عينيه للرجل وقال
الصورة دي مستحيل تكون لآدم ابني اتولد من سبع سنين.
الرجل هز رأسه.
أنا عارف.
يبقى مين الطفل ده؟
الرجل قرب الصورة من المصباح.
مش طفل واحد.
حسام عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
الرجل أشار لوجه الطفل.
بص كويس.
حسام دقق في الصورة.
ملامح الطفل كانت تشبه آدم بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس شكل الوجه.
حتى العلامة الصغيرة الموجودة فوق حاجبه كانت موجودة.
لكن التاريخ المكتوب خلف الصورة كان من سنة 1987.
قال حسام
مين الشخص اللي واقف جنبه؟
الرجل سكت لحظة.
ثم قال
والدي.
حسام اتصدم.
أبوك؟
أيوه. وهو اللي اكتشف المكان ده أول مرة.
فتح الرجل دفترًا قديمًا.
كان فاكر إن الغابة فيها حيوانات برية بس. لحد ما شاف مجموعة أطفال بتدخل المكان من تحت الأرض.
قلب صفحة.
الأطفال كانوا بييجوا هنا عشان يسمعوا أصوات غريبة تحت الأرض.
سأل حسام
وكان إيه مصدر الأصوات؟
الرجل أشار إلى آخر الممر.
الغرفة الأخيرة.
مشوا بحذر.
كلما اقتربوا، أصبح صوت معدني خافت أوضح.
دق دق دق





