حكايات رودي خالد

لمحة نيوز
فتح الرجل بابًا حديديًا صغيرًا.
وراءه ظهرت غرفة واسعة.
في منتصفها كان يوجد جهاز قديم متصل بأنابيب وأسلاك.
حسام بص له باستغراب.
إيه ده؟
الرجل قال
ده سبب كل اللي حصل.
اقترب من الجهاز وأشار إلى عداد صغير.
من سنين، كان فيه مصنع قريب من الغابة بيخزن مواد كيميائية بطريقة غير قانونية. حصل تسريب تحت الأرض، وبعض الحيوانات اتأذت، والناس اللي حاولت تكشف الموضوع اتعرضت لضغوط كبيرة.
حسام قال
وابني؟
الرجل رد
آدم اكتشف إن التلوث وصل للمياه اللي تحت القرية.
سكت قليلًا ثم أضاف
وعشان كده كان بيكتب كل حاجة في الدفتر.
حسام فتح الدفتر بسرعة.
وجد صفحات فيها رسومات لمواسير تحت الأرض، واتجاهات المياه، وملاحظات بخط آدم.
وفجأة فهم.
مرض ابنه لم يكن لغزًا غامضًا.
كان هناك شيء في المياه يحتاج إلى تحقيق طبي وعلمي عاجل.
لكن بقي سؤال واحد
لماذا ظهرت الذئاب عند القبر؟
الرجل قال
الذئاب كانت بتشرب من عين مياه بعيدة عن مكان التلوث. ولما اكتشفت إن الحيوانات الأخرى بدأت تمرض، ظلت ترجع لنفس المنطقة كل مرة.
حسام بصوت مكسور
يعني كانت بتحاول تلفت انتباهنا؟
بالضبط.
في تلك اللحظة، سمعوا عواء من فوق الأرض.
ثم عواء ثاني.
ثم ثالث.
خرج حسام من الغرفة.
الذئاب الثلاثة كانت واقفة عند مدخل الغابة.
لكن هذه المرة
لم تكن وحدها.
خلفها كان هناك عشرات الذئاب.
كلها تنظر ناحية القرية.
الرجل فتح الدفتر وقال
آدم كان عايز الناس تعرف الحقيقة.
حسام شد الدفتر إلى صدره.
وهتعرف.
في اليوم التالي، وصلت فرق مختصة إلى القرية.
تم أخذ عينات من المياه والتربة، وإغلاق المنطقة مؤقتًا، وبدأ التحقيق في مصدر التلوث.
أما حسام، فاحتفظ بدفتر ابنه.
وبعد أسابيع، وُضع حجر صغير بجوار قبر آدم.
وعليه نقش بسيط
هنا يرقد طفل صغير لكنه ترك وراءه دليلًا أنقذ قرية كاملة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الذئاب تظهر في المقابر.
لكن أهل القرية ظلوا يروون حكاية الصباح الذي نبشت فيه ثلاثة ذئاب قبر طفل صغير
لأنها كانت تحمل لهم آخر رسالة تركها قبل رحيله لكن بعد أسبوعين من إغلاق الغابة، حصل شيء محدش كان متوقعه.
كان حسام قاعد في بيتِه بالليل، ودفتر آدم قدامه على الترابيزة.
كان بيقلب الصفحات واحدة واحدة، لحد ما لاحظ حاجة غريبة.
في آخر الدفتر، كانت فيه صفحة ملزوقة بطبقتين من الورق.
حسام جاب سكينة صغيرة وفصل الطبقتين بحذر.
وقعت ورقة مطوية على الأرض.
فتحها.
كان مكتوب فيها
بابا، لو وصلت للورقة دي، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة بس لسه فيه حاجة مهمة.
حسام كمل القراءة.
المياه مش هي السبب الوحيد.
اتجمد مكانه.
وتحت الجملة كان فيه رسم لخريطة القرية.
على الخريطة علامة حمراء عند مبنى قديم في طرف القرية.
المبنى كان مدرسة مهجورة مقفولة من أكتر من عشرين سنة.
في الصباح، راح حسام للرجل اللي ساعده في الغابة.
أول ما شاف الخريطة، اتغيرت ملامحه.
قال
المكان ده كان تابع للمصنع القديم.
حسام سأله
إيه اللي كان موجود جواه؟
الرجل رد
معمل صغير.
وليه اتقفل؟
سكت الرجل لحظة.
لأن أبويا اكتشف إن بعض العينات اللي كانت بتوصل للمصنع كانت بتختفي.
حسام فتح عينيه.
تختفي إزاي؟
ماحدش عرف.
اتجه الاثنان إلى المدرسة القديمة.
الباب كان مقفول بسلسلة صدئة.
كسروا القفل ودخلوا.
الغبار كان مالي المكان.
السبورات القديمة لسه عليها كتابات أطفال من سنين.
لكن في آخر ممر، وجدوا بابًا حديديًا.
وعليه نفس العلامة اللي كانت مرسومة في دفتر آدم.
فتحوه.
كانت هناك غرفة صغيرة.
في وسطها جهاز تسجيل قديم.
وبجانبه مجموعة أوراق محفوظة داخل صندوق زجاجي.
شغل حسام جهاز التسجيل.
خرج صوت رجل مسن
لو التسجيل ده اتسمع، يبقى الحقيقة أخيرًا خرجت.
الرجل توقف لحظة، ثم تابع
الأطفال اللي كانوا بيمرضوا ماكانوش مصابين بمرض واحد. كل الحالات كانت مرتبطة بمصدر واحد.
حسام اقترب من الجهاز.
ثم سمع الجملة التي جعلته يفقد القدرة على الكلام
والطفل آدم كان أول واحد يكتشف العلاقة بين الحالات.
الرجل المرافق له قال
إزاي التسجيل بيتكلم عن آدم؟
حسام لم يرد.
التسجيل استمر
لو وصل طفل للدفتر، ساعدوه. لأنه الوحيد اللي ممكن يربط الأدلة ببعض.
فجأة انقطع الصوت.
ثم اشتغل التسجيل مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان صوت طفل.
صوت آدم.
قال بهدوء
بابا لو سمعت الرسالة دي، متزعلش مني. أنا كنت عايز أحميك.
حسام تجمد أمام الجهاز.
كان ابنه قد سجل الرسالة قبل وفاته.
أنا عرفت إن في حاجة غلط من يوم ما بدأت أشوف الحيوانات بتهرب من ناحية النهر.
ثم سمعوا صوتًا خافتًا في الخلفية.
بعدها قال آدم
بس في حد كبير كان بيساعدني.
حسام نظر إلى الرجل بجانبه.
الرجل نفسه كان مذهولًا.
ثم جاءت آخر جملة
هو قال لي إن الذئاب هتعرفك مكان الدليل الأخير.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
حسام خرج من المدرسة وهو يحمل الأوراق.
وعند بوابة القرية، وجد شيئًا على الأرض.
ثلاثة آثار ذئاب.
لكن هذه المرة كانت الآثار متجهة بعيدًا عن الغابة
ناحية النهر.
حسام بص للرجل وقال
لسه فيه دليل أخير.
وفي نفس اللحظة، ظهر شيء أبيض عالق بين الحشائش بجوار النهر.
اقترب منه.
كان ظرفًا صغيرًا.
وعليه بخط آدم
ده آخر مكان يا بابا.
فتح حسام الظرف
فوجد بداخله مفتاحًا ثانيًا.
لكن المفتاح كان عليه رقم واحد فقط
7
رفع حسام عينيه ناحية النهر.
وقال
الرقم ده مش عشوائي.
الرجل سأله
إنت عرفت معناه؟
حسام بص ناحية المقابر البعيدة.
ثم قال
أيوه قبر آدم هو رقم سبعة حسام رجع للمقابر بسرعة، والرجل اللي معاه كان بيجري وراه.
لما وصلوا لقبر آدم، وقف حسام قدامه للحظات.
كان رقم القبر فعلًا 7.
أخرج المفتاح الصغير.
لكن بدل ما يستخدمه في القبر نفسه، بدأ يدور بعينيه حول المكان.
لاحظ لوحة حجرية قديمة مثبتة في الأرض، عليها أرقام القبور.
تحت الرقم 7 كان فيه خط صغير محفور بالكاد يظهر.
حسام نزل على ركبته ونظف التراب بإيده.
ظهرت فتحة معدنية صغيرة.
أدخل المفتاح.
طَق.
انفتح غطاء حجري بجوار القبر.
تحته كان فيه تجويف ضيق، وفي داخله أنبوب معدني.
أخرج حسام الأنبوب.
كان مقفولًا من الطرفين.
فتحه.
خرجت منه ورقة صغيرة ملفوفة بعناية.
فتحها.
كانت فيها أسماء سبعة أطفال.
أحد الأسماء كان اسم آدم.
وتحت كل اسم تاريخ.
لكن بجوار اسم آدم كانت مكتوبة كلمة واحدة
الأخير.
الرجل بجواره قال
يعني إيه الأخير؟
قبل ما يرد حسام، سمعوا عواء.
التفتوا.
الذئاب الثلاثة كانت واقفة عند بوابة المقابر.
لكنها لم تكن تنظر إليهم.
كانت تنظر ناحية مكان آخر.
بعيدًا عند النهر.
ثم تحركت في اتجاهه.
حسام وضع الورقة في جيبه وجرى خلفها.
وصلوا إلى ضفة النهر.
هناك وجدوا حجرًا كبيرًا عليه نفس العلامة الموجودة في الدفاتر.
أزاح حسام الحجر.
ظهر تحته صندوق بلاستيكي محكم الغلق.
فتحه.
كان بداخله عدد من زجاجات المياه الصغيرة، وكل زجاجة عليها تاريخ مختلف.
الرجل أخذ واحدة منها وقال
دي عينات.
حسام رد
آدم كان بيجمع أدلة.
وفجأة سمعوا صوت سيارة تقترب.
التفتوا.
سيارة توقفت عند بداية الطريق.
نزل منها رجل يحمل حقيبة.
بمجرد ما شاف الصندوق، وقف مكانه.
ثم قال
مين سمح لكم تدخلوا هنا؟
حسام رفع رأسه.
إنت مين؟
الرجل لم يرد.
استدار بسرعة وعاد إلى السيارة.
لكن قبل أن يتحرك، خرجت الذئاب من بين الأشجار ووقفت أمام الطريق.
توقفت السيارة.
الرجل اضطر للنزول مرة أخرى.
هذه المرة كان معه هاتف.
اتصل بأحد الأشخاص وقال
الصندوق اتلاقى.
حسام سمع الجملة.
اقترب منه وقال
اتلاقى؟ يعني كنت عارف إنه موجود؟
الرجل سكت.
وهنا وصلت سيارة الشرطة.
كان حسام قد أبلغهم قبل مجيئه للمكان.
تم التحفظ على الصندوق والعينات، وبدأ التحقيق مع الرجل.
وبعد أيام ظهرت نتيجة التحاليل.
العينات أثبتت وجود مواد ملوثة في مصدر المياه القديم، وتم تحديد مصدرها وإيقافه.
لكن كان هناك اكتشاف آخر أهم.
الدفاتر والصور والتسجيلات أثبتت أن آدم لم يكن وحده في اكتشاف الحقيقة.
الأطفال السبعة المذكورون في القائمة كانوا قد لاحظوا نفس الظاهرة عبر سنوات مختلفة.
لكن آدم كان أول طفل يجمع الأدلة كاملة ويتركها في مكان يمكن العثور عليها.
وعندما فهم حسام معنى كلمة الأخير، أدرك أن ابنه كان يقصد شيئًا واحدًا
أن قصة الأطفال السبعة يجب ألا تتكرر.
بعد عدة أشهر، تم تنظيف مصدر المياه، وإعادة فحص آبار القرية، ووضع نظام مراقبة جديد.
أما المدرسة القديمة، فتحولت إلى مركز صغير لتوعية أهل القرية بالحفاظ على المياه والبيئة.
وعند مدخلها وُضعت لوحة باسم آدم.
أما الذئاب الثلاثة
فلم يرها أحد بعدها إلا مرة واحدة.
في صباح هادئ، وقف حسام عند قبر ابنه.
وجد آثار أقدام الذئاب حول القبر.
ثلاثة مسارات فقط.
لكنها لم تكن تحفر هذه المرة.
كانت متجهة بعيدًا عن المقابر





