حكايات رودي خالد

نحو الغابة.
حسام ابتسم بحزن وقال
وصلت رسالتك يا آدم.
ثم وضع الدفتر فوق شاهد القبر للحظة، قبل أن يأخذه معه.
ومن يومها، اختفت ظاهرة الذئاب تمامًا.
وظلت حكاية الطفل آدم تُروى في القرية باعتباره الطفل الذي ترك وراءه أدلة ساعدت في حماية الناس.
أما السر الذي بدأت قصته بثلاثة ذئاب تحفر قبرًا
فانتهى بالحقيقة التي أراد طفل صغير أن يتركها لأبيه
لو محدش صدق كلامي خليه يصدق الدليل مرت شهور، والقرية بدأت ترجع لحياتها الطبيعية.
المياه اتنضفت، المدرسة القديمة اتقفلت بشكل نهائي، وكل الملفات الخاصة بالتلوث اتحولت للجهات المختصة.
لكن حسام لم يستطع أن ينسى آخر جملة كتبها آدم.
خليه يصدق الدليل.
وفي ليلة شتوية، بينما كان يرتب أغراض ابنه، وجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا تحت السرير.
الصندوق كان مقفولًا.
جرب المفتاح الذي وجده عند النهر.
فتح الصندوق.
في الداخل كانت هناك رسمة واحدة فقط.
رسمة لآدم واقف أمام الغابة، وبجانبه الذئاب الثلاثة.
لكن هذه المرة لم تكن هناك شجرة خلفهم.
كان هناك بيت صغير.
حسام قلب الورقة.
وجد عنوانًا مكتوبًا بخط آدم.
عنوان منزل في قرية تبعد عشرات الكيلومترات.
في الصباح، ذهب حسام إلى العنوان.
وجد بيتًا قديمًا تسكنه امرأة مسنة.
لما سألها عن الاسم، تغير وجهها.
قالت
إنت ابن مين؟
قال
أنا حسام والد آدم.
جلست المرأة على كرسيها.
ثم قالت
كنت مستنياك.
حسام شعر بالدهشة.
أخرجت المرأة صندوقًا قديمًا من خزانة.
قالت
أبوك كان يعرف المكان ده.
فتح حسام الصندوق.
وجد صورًا قديمة لأطفال من القرية.
وكانت بينهم صورة آدم
لكن الصورة كانت من نفس الفترة التي اكتشف فيها أبوه أن هناك شيئًا غريبًا تحت الأرض.
قال حسام
إزاي آدم موجود في صورة قديمة؟
ابتسمت المرأة وقالت
لأنه مش آدم.
حسام تجمد.
المرأة أخرجت شهادة قديمة.
الولد اللي في الصورة كان اسمه ياسر، وكان شبه ابنك بشكل كبير جدًا.
حسام نظر للصورة مرة أخرى.
وفجأة فهم سبب كل الالتباس.
آدم لم يكن في الصورة.
كان طفلًا يشبهه فقط.
والتاريخ القديم جعل الأمر يبدو كأنه شيء خارق.
أما الذئاب، فكانت مرتبطة بالمكان منذ سنوات طويلة بسبب وجود مصدر مياه بعيد عن التلوث، وكانت تعود إليه باستمرار.
حسام تنفس بعمق.
لأول مرة، شعر أن كل الألغاز بدأت تتحول إلى حقائق يمكن فهمها.
وقبل أن يغادر، أعطته المرأة ظرفًا أخيرًا.
قالت
آدم تركه عندي قبل وفاته بأيام.
فتح حسام الظرف.
وجد ورقة واحدة
بابا، لو وصلت للست دي، يبقى أنت عرفت إن الحقيقة مش دايمًا مخيفة أحيانًا الحقيقة هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلينا نكمل.
خرج حسام من البيت.
كانت الشمس بدأت تظهر بعد شهور من الغيوم.
وفي الطريق، وقف لحظة ونظر ناحية الغابة البعيدة.
لم تكن هناك ذئاب.
ولا أصوات غريبة.
ولا أسرار جديدة.
فقط هدوء.
أخرج صورة آدم من جيبه وقال
وعدتك إني هعرف الحقيقة وعرفتها.
ثم عاد إلى القرية.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح قبر آدم مكانًا يزوره أهل القرية بهدوء، ليس خوفًا ولا بحثًا عن أسرار، ولكن تذكيرًا بطفل صغير ساعد أهله، من خلال ما تركه وراءه، على اكتشاف مشكلة كانت تهدد الجميع.
أما الذئاب الثلاثة، فبقي ظهورها في ذلك الصباح حكاية غريبة يتناقلها أهل القرية.
حكاية بدأت بجنازة طفل
وانتهت بأن الحقيقة التي تركها خلفه أنقذت قرية كاملة بعد مرور عام كامل، كانت القرية قد نسيت تقريبًا قصة الذئاب.
لكن حسام لم ينسَ.
كان يحتفظ بدفتر آدم في درج مقفول، وكل فترة يفتحه ويقرأ ملاحظات ابنه الصغيرة.
وفي ليلة هادئة، سمع طرقًا على الباب.
لما فتح، وجد رجلًا غريبًا يقف أمامه، يحمل حقيبة قديمة.
قال الرجل
إنت حسام؟
أيوه.
أخرج الرجل صورة.
أنا لقيت دي في أرشيف قديم.
أخذ حسام الصورة.
كانت صورة للمقابر نفسها.
لكنها كانت ملتقطة قبل ثلاثين سنة.
وفي وسط الصورة ظهر قبر قديم.
كان عليه الرقم 7.
حسام اتوتر.
إيه علاقة الصورة بابني؟
الرجل قال
بص على الخلف.
قلب حسام الصورة.
كان مكتوبًا
عندما تظهر الذئاب الثلاثة، ابحث عن الطفل السابع.
حسام رفع عينيه.
مين كتب الكلام ده؟
الرجل هز رأسه.
مش عارف.
ثم أضاف
لكن في حاجة تانية.
فتح حقيبته وأخرج دفترًا قديمًا.
الدفتر ده كان موجودًا في مخزن البلدية. فيه أسماء سبعة أطفال، وكل اسم مرتبط بتاريخ.
حسام قلب الصفحات.
الأسماء الستة الأولى كانت للأطفال الذين ظهرت قصتهم في الملفات القديمة.
أما الاسم السابع
فكان
آدم حسام.
حسام شعر بصدمة.
بس آدم مات من سنة.
الرجل قال
أنا عارف.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لكن التاريخ المكتوب جنب اسمه مش تاريخ وفاته.
نظر حسام إليها.
كان التاريخ بعد وفاة آدم بثلاث سنوات.
ظل صامتًا.
قال الرجل
وده معناه إن الشخص اللي كتب القائمة كان بيتوقع إن اسم آدم يظهر في القضية دي من قبل ما يحصل كل شيء.
حسام جلس على الكرسي.
بدأ يعيد كل التفاصيل في رأسه.
الذئاب
القبر
الصندوق
دفتر ابنه
والرقم سبعة.
ثم لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل.
على طرف الدفتر القديم كانت هناك علامة صغيرة.
نفس العلامة التي رسمها آدم في آخر صفحة من دفتره.
ذئب صغير
وبجواره سبع نقاط.
حسام فتح درج مكتبه بسرعة وأخرج دفتر آدم.
قارن العلامتين.
كانتا متطابقتين تمامًا.
وفي آخر صفحة من دفتر ابنه، ظهرت جملة لم يرها من قبل، لأن الحبر كان باهتًا جدًا
لو وصلت لحد هنا يا بابا يبقى السر لسه ماخلصش.
رفع حسام رأسه ببطء.
الرجل سأله
هتعمل إيه؟
حسام أغلق الدفتر.
وقال
هعرف مين كتب اسم ابني قبل ما يتولد.
وخارج البيت، في آخر الشارع
ظهر ثلاثة ذئاب للحظة وسط الظلام.
ثم اختفت قبل أن يراها أحد.
لكن هذه المرة
كانت الذئاب تتجه نحو مكان لم يذهب إليه حسام من قبل.
المقبرة القديمة خرج حسام والرجل من البيت، واتجهوا ناحية المقبرة القديمة.
كانت بعيدة عن القرية، مهجورة تقريبًا، والأشجار غطتها من كل ناحية.
وصلوا بعد منتصف الليل.
الرجل أضاء المصباح، وحسام كان ماسك دفتر آدم.
توقف فجأة.
بص.
كان هناك ثلاثة أحجار صغيرة موضوعة فوق بعضها أمام أحد القبور.
اقتربوا.
على شاهد القبر كان اسم طفل
ياسر محمود 1987
حسام تذكر الصورة القديمة.
نفس الطفل الذي ظن للحظة أنه آدم.
لكن تحت الاسم كان هناك نقش صغير
الطفل السابع لم يكن الأخير.
الرجل قال
يبقى فيه طفل تاني.
حسام فتح دفتر آدم.
وجد صفحة عليها سبعة أسماء.
لكن بجوار الاسم السابع كانت هناك علامة استفهام.
وتحتها جملة
لو عايز تعرف مين بعدي، دور على المكان اللي الذئاب ما بتدخلوش.
فكر حسام قليلًا.
ثم قال
الغابة.
الرجل هز رأسه.
الذئاب كانت دايمًا بتدخل الغابة.
حسام رد
مش كل الغابة.
رجعوا إلى المكان الذي كان فيه الباب الحديدي.
تحت الشجرة القديمة، لاحظ حسام شيئًا لم يلاحظه من قبل.
كانت هناك مساحة صغيرة خالية من آثار أقدام الذئاب.
حفروا قليلًا.
ظهرت قطعة معدنية مستديرة.
عليها رقم
7
وبداخلها ورقة ملفوفة.
فتح حسام الورقة.
كانت عبارة عن شهادة قديمة جدًا.
قرأ الاسم.
ثم توقف.
كان الاسم
سليم محمود.
الرجل اتفاجأ.
ده ابني.
حسام رفع رأسه.
ابنك؟
أيوه ابني اختفى وهو عنده سبع سنين.
سادت لحظة صمت طويلة.
الرجل أمسك الورقة، وبدأ يقرأ التفاصيل.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر السطر.
تم نقل الطفل إلى مركز رعاية بعيد بعد العثور عليه تائهًا قرب الغابة.
الرجل شهق
يعني ابني ما ماتش؟
كان هناك عنوان للمركز.
في اليوم التالي، سافر الاثنان إلى العنوان.
وبعد ساعات من البحث، اكتشفوا أن المركز القديم تحول إلى دار أرشيف.
وبعد مراجعة السجلات، وجدوا ملفًا باسم سليم.
كان الطفل قد نجا فعلًا.
لكن بعد سنوات، انتقل للعيش في مدينة أخرى، وانقطعت أخباره.
الرجل ظل يبحث عنه حتى وجد عنوانه.
وعندما قابله، كانت المفاجأة أن سليم كان يحتفظ بدفتر قديم.
قال لهم
أنا فاكر الغابة.
ثم أخرج رسمًا لطفل صغير.
كان فيه ثلاثة ذئاب وشجرة وباب حديد.
وقال
كنت فاكر إن اللي حصل زمان كان حلم.
حسام نظر إلى الرسم.
ثم سأل
إنت كنت تعرف آدم؟
سليم هز رأسه.
لا.
ثم أضاف
لكن قبل ما أخرج من الغابة زمان، الراجل اللي أنقذني قال لي جملة.
إيه هي؟
قال سليم
هييجي يوم طفل تاني يكتشف المكان وساعتها لازم الحقيقة تظهر.
حسام أخرج دفتر آدم.
فتح آخر صفحة.
كانت الجملة نفسها مكتوبة بخط ابنه
الحقيقة لازم تظهر.
في تلك اللحظة، فهم حسام أن كل ما حدث لم يكن سلسلة من الأسرار الخارقة.
كانت قصة طويلة من الأطفال الذين اكتشفوا الخطر، وأشخاص حاولوا حفظ الأدلة، وحيوانات عاشت في المنطقة وتفاعلت مع التغيرات البيئية بطريقة لفتت انتباه الناس.
أما آدم
فكان آخر حلقة في السلسلة.
الطفل الذي جمع الأدلة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *