فتاة المغفر بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​كانت جدران قسم الشرطة مشحون برائحة السجائر وبقايا محضر لم ينتهِ بعد. جلست «سارة» على المقعد الخشبي، تفرك كفيها بارتباك، بينما يقف العسكري أمامها مشيراً بسبباته في اتهام ووعيد:
​– «يا فندم البت دي هجمت على الشاب في نص الشارع كأنها بتلعب مصارعة حرة! كسرت تليفونه وعلّقت له علقة من بتاعة الأفلام!»
​رفع ضابط التحقيق رأسه من خلف مكتبه المتخم بالأوراق، ونظر إليها بحدة:
​– «اسمك إيه يا بت إنتي؟ وايه قلة الأدب دي؟ هو الشارع أبوكي عشان تضربي الناس؟ طلعي بطاقتك أو هاتي رقم ولي أمرك نتفاهم معاه.»
​بلعت سارة ريقها بصعوبة، ولم تكن خائفةً من القانون بقدر ما كانت مرعوبة من غضب والدها الحقيقي الذي سيقضي عليها إن علم بأمر هذه المشاجرة السخيفة. رسمت ملامح البراءة الكاذبة على وجهها وقالت بصوت مهتز:
​– «يا باشا والله هو اللي بدأ… بس خلاص، ولا أبويا ولا وجع الدماغ ده… أنا آسفة، عدّوها لي والنبي.»
​زفر الضابط بضيق وقال بحزم:
​– «مافيش عدّوها! هاتي رقم أبوكِ حالاً، يا إما الحجز من نصيبك لحد الصبح.»
​وجدت نفسها في مأزق لا طريج للخروج منه، فارتجلت أول أرقام خطرت على بالها عشوائياً:
– «خلاص… خلاص، اتفضل، ده رقمه: 01098765432.»
​دون العسكري الرقم، وأمر العسكري الآخر بالاتصال فوراً عبر هاتف القسم الثابت.
​الفصل الثاني: الرقم الخطأ
​في إحدى القصور الفخمة الواقعة في أقصى نقطة سرية على كوكب الأرض، حيث تسود مظاهر الثراء الفاحش والسطوة المطلقة، كان «الدون» –أخطر زعيم عصابة عرفه التاريخ البشري، والمطلوب دولياً في عشرات الدول– جالسًا على كرسيه الجلدي الفاخر، يدخن سيجاراً كوبياً فاخراً، ويحيط به حراسه الشخصيون كالصخور الصامتة.
​فجأة، قطع سكون الغرفة صوت هاتف رنين مُزعج وخاص جداً، هاتف لا يتصل به سوى رؤساء دول أو بارونات مافيا كبرى.
​رفع الدون سماكة حاجبيه بدهشة، فالرقم المتصل يبدو عاديًا ومرتبكًا من دولة عربية. أجاب بصوته الخشن والعميق الذي يُرعب الأباطرة:
​– «من يتحدث؟»
​جاء صوت العسكري المصري من الطرف الآخر بصرامة وعجرفة:
​– «إنت أبو البت سارة؟ إنت أبو الكاتبة للشرشحة دي؟ بنت حضرتك عاملة مصيبة في الشارع وشاربة الشارع كله ضرب، شرفنا على القسم حالا عشان نخلص المحضر ولا هتروح في داهية!»
​سكت الدون لبرهة. ساد الصمت المكان حتى كاد حراسه يسمعون دقات قلوبهم. لم يكن للدون بنات أصلاً، وكان يقضي وقته في التخطيط لصفقات تهريب أسلحة عابرة للقارات، لكنه استمتع بالغرابة الموقف، أو ربما وجد فيها تسليةً نادرة وسط روتين الجريمة. ابتسم بابتسامة مرعبة كشفت عن أسنان صفراء، وقال ببرود قاتل:
​– «أبنتـــــي؟!»
​بلع العسكري ريقه من نبرة الصوت المخيفة، وقال بتبرم:
​– «آه بنتك… خلص تعالى خدها بدل ما نقفل عليها المحضر.»
​أغلق الدون الهاتف ببطء، ونهض من مقعده شامخًا. التفت إلى رجاله وهمس بصوت هادئ يشبه فحيح الأفعى:
​– «جهزوا الطائرة الخاصة… والكتيبة الرابعة مع الأسلحة الثقيلة. ابنتي الوحيدة في خطر، وأحدهم يجرؤ على حبسها في مغفرٍ حقير.»
​الفصل الثالث: الطوفان
​داخل قسم الشرطة، مرّت ساعة كاملة ثقيلة كأنها دهور. كانت سارة تتأمل الباب بترقب، وتمنت لو أن الأرض تنشق وتوسّع لها لتخفيها. وفجأة…
​هزّ انفجار خفيف زجاج القسم، وسمعت أصوات هليكوبتر تحوم فوق المبنى مباشرة. اهتزت الجدران، ودخلت قوات مدججة بالأسلحة الحديثة والبدلات السوداء لتملأ المكان في ثوانٍ معدودة، محاصرين الضباط والعساكر ومصوبين أسلحتهم نحوهم بدقة مرعبة.
​تسمر الضابط في مكانه وسقط القلم من يده، بينما فتح الحراس الباب على مصراعيه ليدخل ذلك الرجل الأربعيني المهيب، بملامحه الحادة ونظاراته الشمسية التي لم يخلعها رغم ظلمة المكان.
​وقف «الدون» في منتصف المغفر، ونظر حوله باحتقار بالغ، ثم وقع بصره على سارة المرتعبة في الزاوية.
​خطا نحوها ببطء، فتنحى العساكر والضباط جانباً كالدمى خوفاً من الموت المحقق. وقف أمامها، ونزع نظارته ناظراً إليها بعمق، ثم قال بلهجة آمرة:
​– «هل أنتِ ابنتي التي تجرؤ هؤلاء الشرطة على توقيفها؟»
​فتحت سارة فمها من شدة الصدمة، ولم تستطع النطق بحرف واحد، فكل ما تمكنت منتمتمته:
– «يا نهار أسود… هو إنت بجد؟!»
​التفت الدون برأسه نحو الضباط المرتجفين، ورفع يده ملوحاً بإشارة خفيفة، فتقدم أحد رجاله ووضع حقيبة مليئة بالسبائك الذهبية على مكتب الضابط، بينما قال الدون بصوت هادئ ومخيف:
​– «ابنتي تحب اللعب في الشوارع، ويبدو أن هذا المكان لا يليق بمقامها… أنا قادم لإخراجها، وأعتقد أن الحديث بيننا قد انتهى.»
​أمسك الدون بمعصم سارة المرتجفة، وسحبها خلفه بخطوات واسعة نحو طائرته المنتظرة، تاركين القسم بأكمله في حالة من الذهول والخرس التام.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *