حكايات ميرا

بعد سنتين من الرصاصة اللي أطلقها قنّاص وخلّتني أفقد القدرة على استخدام رجليّ، كل اللي في قصري اتعلموا يخافوا مني.
الممرضين كانوا بيستقيلوا، وأخصائيين العلاج الطبيعي كانوا بيهربوا، وحتى رجالي المسلحين كانوا بيطأطوا عينيهم أول ما أدخل أي أوضة.
لحد ما دخلت خادمة جديدة اسمها إيما جناحي الخاص، وبصّت في عيني مباشرة للرجل اللي الكل كان بيسميه وحش، وقالت:
— تحبني أبطل شغل؟ عشان لو بطلت، مش هاخد فلوس.
قبل حادثة إطلاق النار، كنت مسيطر على نص العالم السفلي في شيكاغو، من مكاتب مجالس الإدارة، للغرف الخلفية، للعربيات المصفحة.
وبعد الحادثة، إمبراطوريتي فضلت ملكي…
لكن بقيت بحكمها من كرسي متحرك معمول مخصوص ليا، جوه حصن بملايين الدولارات، كان مع مرور الأيام بيحسّسني إنه مقبرة أكتر من كونه بيت.
الشلل نفسه ماكانش أسوأ حاجة.
أسوأ حاجة كانت الوجع الوهمي اللي كان بيمزق رجليّ، رغم إنهم ماعادوش بيحسوا حتى بإبرة.
كنت فاكر إحساس الرصيف البارد تحت رجليّ…
وكنت عارف إن رجليّ عمرها ما هتشيلني تاني.
في ليلة عاصفة، دخل دراستي نائبي ورجل ثقتي الأول، لوك، وحط ملف على المكتب قدامي.
— أخصائي العلاج الطبيعي استقال.
رفعت عيني له ببرود.
— التالت الشهر ده.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— وإنت رميت عليه ثقالة ورق إزاز. كانت هتخبطه في دماغه.
شدّيت فكي.
— كان بيكلمني كأني عيل صغير. بيقولي “استحمل الحرق” وأنا مفيش أي حرق عندي!
فضل لوك باصص لي وقت أطول من اللي أي حد تاني كان يجرؤ عليه.
وبعدين قال:
— المكان ده مبقاش حصن يا داني… ده بقى مقبرة، وإنت اللي بتدفن نفسك جواه.
في نفس الليلة، وصلت إيما كارتر لأول وردية ليها.
كانت عندها ستة وعشرين سنة، بتشتغل تسع ساعات في مطعم قبل ما تركب أتوبيسين وتعبر نص شيكاغو عشان تشتغل عندي بالليل.
السبب؟
بيتي كان بيدفع تلاتين دولار في الساعة للتنظيف.
إيما ماكانتش خايفة من سمعتي.
لأن حياتها أصلًا كانت مليانة بمشاكل أكبر.
أمها كانت عايشة في دار لرعاية مرضى فقدان الذاكرة، وشركات تحصيل الديون ماكانتش بتبطل تتصل بيها، والإرهاق كان سايب هالات سودا عميقة تحت عينيها.
رئيسة الخدم حذرتها قبل ما تبدأ:
— ماتحاوليش تبصي له. ماتتكلميش معاه من غير سبب. وماتلمسيش أي معدات طبية تخصه.
إيما هزت راسها وسألت ببساطة:
— أبدأ منين؟
لقيتها بعدها راكعة في طرقة جناحي، وبتفرك الحواف السفلية للحيطان.
بصيت لها باستغراب.
— إنتِ مين؟
رفعت عينيها للحظة.
— إيما. شغل التنضيف بالليل.
وبعدين رجعت تبص للأرض وكملت فرك.
ولا كأنها شافتني.
ولا كأنها كانت واقفة قدام أخطر رجل في المدينة.
محدش عمل معايا كده قبل كده.
قلت بعصبية:
— أنا ماقلتش لك تكملي شغل.
قعدت بهدوء على كعبيها، وبصت لي.
— تحبني أبطل؟ عشان لو بطلت، مش هاخد فلوس. ولو ماخدتش فلوس، مش هقدر أعيش هنا.
لأول مرة من سنين…
غضبي مالقاش رد.
فضلت باصص لها ثواني.
وبعدين قلت:
— خلصي الطرقة.
ومشيت.
عدّت أسابيع.
وبطريقة غريبة، بقت إيما الشخص الوحيد في البيت اللي ماكانش بيمشي على أطراف صوابعه لما يكون حواليا.




