اماني السيد 3

خرج صلاح من العمارة وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه، ماسك شنطة هدومه وإيده بترتعش، بس رغم صدمة التمكين كان لسه عنده أمل أعمى في شهد. كان بتقول لنفسه إن شهد هي الحب الحقيقي اللي مستنيه من 10 سنين، وأكيد هي مش زي هنا، أكيد هتقدر التضحية دي وتقف جنبه.
وصل تحت عمارتها وطلبها في التليفون بنبرة مكسورة ومستنجدة:
ـ “شهد.. أنا تحت العمارة، انزليلي يا شهد أنا نفذت كل اللي طلبتيه.. أنا طلقت هنا!”
بعد دقايق، نزلت شهد بخطوات هادية، لقت صلاح واقف بالشنطة على الرصيف، وشكلاً متدمر وشه باين عليه الكسرة. أول ما قربت منه، صلاح اتعدل وحاول يبتسم بضعف، وبص للشنطة وقيلها بنبرة ترجي:
ـ “شهد.. أنا طلقت هنا خلاص وبقيت حر عشانك، بس هي عملت حركة غادرة وطلعت أذكى منا.. راحت القسم وعملت تمكين للشقة وأخدتها بحكم القانون بصفتها حاضنة للبنات. بس ولا يهمك يا شهد! إحنا هنأجر شقة تانية أحسن منها ونبدأ فيها حياتنا.. المهم إننا أخيرًا بقينا سوا بعد 10 سنين انتظار!”
في اللحظة دي، ملامح شهد اتغيرت تماماً! الضحكة الرقيقة والعيون الدافية اختفت، وحل مكانها قسوة وسخرية لئيمة:
ـ “نبدأ من جديد في شقة إيجار؟! أنت بتستعبط يا صلاح؟! أنا أرجعلك وأسيب دنيتي عشان تقعدني في إيجار وتعيشني في الهم ده تاني؟ أنا شرطي كان واضح.. شقة ملك باسمي وباسم بنتي تضمن مستقبلي، إنما تقولي تمكين وشنطة هدوم في الشارع؟!”
ساعتها صلاح اتصدم، بس بدل ما يعتز بكرامته، الحب الأعمى والـ 10 سنين اللي ضاعوا خلوه ينهار قدامها! نزل على ركبه تقريباً على الرصيف، ومسك إيدها بلهفة ودموعه نزلت قدام الناس في الشارع وبدأ يتذلل لها بنبرة تقطع القلب:
ـ “عشان خاطر ربنا يا شهد ما تعمليش فيا كده! بلاش تقسي عليا أنتِ كمان.. ده أنا غيرت حياتي كلها عشانك، 10 سنين مغيرتش رقم موبايلي على أمل كلمة منك! 10 سنين عايش على ذكراكي وصورتك جوة المحفظة ما فارقتنيش لحظة! أنا مستعد أشتغل شغلتين وثلاثة وأجيبلك كل اللي تطلبيه، هعيشك ملكة في الإيجار والله، بس ما تبعديش عني تاني.. أنا من غيرك أموت يا شهد! التضحية دي كلها عشانك أنتِ، حرام تضيعيني!”
شهد بصتله بنظرة قرف واحتقار، وسحبت إيدها من بين إيديه بحدة وكأنها بتبعد عن شيء ملوث، وقالتله بنبرة جافة كالحديد:
ـ “أنت عبيط يا صلاح؟ 10 سنين صور ورقم موبايل ده كلام أفلام هندية لا يأكل عيش ولا يدفع إيجار! أنت كنت بالنسبة لي كارت مضمون أأمن بيه مستقبلي أنا وبنتي بعد طلاقي، إنما كارت محروق ومعندوش شقة تضمنلي حقي؟ تلزمني بإيه؟! اعقل ورش وشك بشوية مية.. وانسى الرقم ده وانساني خالص!”
قالت كلمتها ولفت ظهرها ومشيت، وطلعت العمارة ورزعت الباب، وسابته واقف في الشارع وسط الذهول والدموع بتغرق وشه.
صلاح بقى واقف لوحده في الشارع، ماسك الشنطة السودا، لا طال الشقة، ولا كسب احترامه لنفسه، ولا طال الحب القديم اللي عاش ينسج فيه أوهام 10 سنين وتذلل عشانه في الشارع.. خسر بيته، وبناته، وكرامته، واكتشف في النهاية إنه ضحى بالحقيقة عشان سراب حقير!
صلاح ما قدرش يستوعب الخيبة، ولا عقله المريض بالوهم قدر يقتنع إن كل اللي عاشه كان سراب. وبدل ما يرجع لربنا أو يحاول ينقذ اللي فاضل من كرامته، جري أجر أوضة وشقة صغيرة على قد فلوسه في منطقة بعيدة، ومابقاش وراه شغلانة في الحياة غير شهد.
بقى كل يوم، من أول ما النهار يطلع، يروح يقف تحت عمارتها بالساعات. أول ما تنزل عشان تشتري حاجة أو تودي بنتها، يفضل ماشي وراها زي الخيال، يتوسل لها بنبرة ترجي تكسر النفس:
ـ **”حرام عليكي يا شهد.. والله شقة الإيجار دي مؤقتة، أنا هشتغل شغلانتين وتلاتة وهجيبلك أحسن شقة ملك، بس حني عليا وما تسيبنيش! أنا بعت كل حاجة عشانك، ما تكسرينيش كده!”**
ولما تتجاهله وتمشي أسرع، كان بيوصل بيه العجز إنه يوقفها في أي شارع فاضي، وينزل على ركبه قدامها في الأرض، يمسك إيدها بحرقة ويبوسها بشرخ في صوته ودموعه نازلة على إيدها:
ـ **”أبوس إيدك يا شهد.. حني عليا! اعتبريني خدامك وخدام بنتك، بس وافقي نكتب الكتاب ونكون سوا.. أنا ١٠ سنين عايش على أملك، لو سبتيني دلوقتي أنتهي!”**
شهد كانت بتبصله بنظرة قرف واشمئزاز شديد، تسحب إيدها بقوة وتزقه بعيد عنها، وتقول له بصوت واطي ومسموم عشان محدش ياخد باله:
ـ **”أنت إيه؟ مفيش في وشك نقطة دم؟! إيه الذل ده؟! قولتلك مليون مرة أنا مش بتجوز شحاتين ولا هعيش في إيجار! ابعد عني وإلا قسماً بالله هلم عليك الشارع وأعملك محضر تعرض!”**
وترزعه الكلمة وتمشي وتسيبه مرمي في الأرض، ماسك إيده اللي كانت ماسكة إيدها، وعينيه رايحة جاية في الفراغ. بقى صلاح صورة حيّة للراجل اللي خسر بيته العمار، وبناته اللي من صلبه، وكرامته اللي رمى بيها في التراب، عشان يدور على حب وهمي أداه القلم اللي أفاقه على حقيقته.. بس بعد ما كان فوات الأوان خلاص!
مع تكرار الصد والمهانة، عقله ما بقاش قادر يتحمل حجم الصدمة والكسرة. الـ 10 سنين اللي عاشهم يبني فيهم صنم وهمي اسمه “حبيبة العمر”، مع خسرانه لبيته وعياله وكرامته، خلو كل أسلاك عقله تضرب ويدخل في حالة ذهان وهوس صريح.
بقى صلاح يقعد في أوضته المستأجرة يكلم نفسه بالساعات، يتخيل شهد بتضحك عليه وبتشاور عليه للناس بتقول “الهبيل أهو”. صوت الضحكة بقى يتردد في ودنه 24 ساعة، ما بينامش وما بياكلش، وعينيه بقت جاحظة وشكله بقى أقرب للمجانين.
في ليلة ضلماء، العقل الطار ساب مكانه للشيطان. صلاح مسك س/كينة مطبخ قديمة، وحطها بين هدومه، ونزل يتسحب زي الأشباح ناحية شارع شهد.
استناها تحت العمارة وهو مستخبي في ضل السلم، أول ما نزلت الصبح بدري عشان تودي بنتها المدرسة، خرج لها فجأة من الضلمة. شهد اتخضت وبصتله بقرف وقالت بنفس النبرة المستعلية:
ـ **”أنت تاني يا صلاح؟! مش قولتلك هعملك محضر مش هتخرج منه؟!”**
صلاح ما نطقش كلمة.. ملامح وشي كانت خالية تماماً من أي تعبير إنساني، عينيه كانت ثابته بجمود مرعب. في ثانية واحدة، سحب الس/كينة وانقض عليها بغل ومرض وسنوات قهره المكتومة!
الصرخة اتخنقت في زور شهد، وضربه فيها كذا ضربة ورا بعض وهو بيكرر بصوت هادي ومرعب:
ـ **”عشان ترتاحي.. عشان ما تحتاجيش شقة تاني.. عشان نكون سوا..”**
الشارع اتملى بالصرخات، والناس اتلمت وجريوا عليه مسكوه بالعافية وشالوا الس/كينة من إيده وهو مبيقاومش أساساً، كانت شهد وقعت على الأرض ولفظت أنفاسها الأخيرة في ثواني.
صلاح كان واقف وسط الناس بيضحك ضحكة هيستيرية طالعة من واحد عقله غاب عن الوجود تماماً.
بعد ساعات، كان صلاح قاعد في التخشيبة، لابس البدلة البيضاء ومكلبش، عينيه باصة للفراغ ومش دريان باللي حواليه. القاضي أوقع عليه أقصى العقوبة بعد ما أثبتت التقارير إنه ارتكب الج/ريمة بكامل ترصده، وصدر الحكم بسجنه.
وانتهت قصة صلاح.. الراجل اللي كان عنده بيت دافي، وزوجة صاينة، وبنات زي الورد، فباع كل ده عشان يجري ورا سراب، وكانت النهاية: واحدة في القبر، وهو ورا القضبان مسلوب العقل والكرامة، و”هنا” وبناتها عايشين في أمان بعيد عن جنونه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *