ابن عمي بقلم اماني السيد الجزء الاول

الجواز ليكي، لكن الحب ليها هي.
يوم فرحي، بعد ما الكل مشي وقفلنا الباب علينا، كنت فاكرة إني هسمع الكلمتين اللي أي عروسة في ليلتها بتستناهم. كنت لابسة فستاني الأبيض، والبهجة لسه مسيطرة على ملامحي، لحد ما لقيته قعد قدامي بكل برود، حط إيده في جيبه، وبص في عيني بنظرة خالية من أي لهفة.
قالها لي كأنه بيقرا بند في عقد عمل، مش ليلة دخلة:
“بصي يا بنت عمي.. الجواز ليكي، لكن الحب ليها هي. هي اللي ملكت قلبي، ومش هقدر أقرب من واحدة تانية غيرها. متطلبیش مني مشاعر مش ملكي، ولا تنتظري مني ليلة زي اللي في خيالك. إحنا هنا عشان الأصول، عشان كلام الناس، وعشان رغبة أبويا وأبوكي.. لكن قلبي؟ قلبي سيبته برة الباب ده.”
الكلمة نزلت عليا زي جبل تلج، كسرت الفرحة اللي في عيني، وخلت الفستان الأبيض يتقلب في ثانية لكفن. كنت ببص له وهو بيتكلم وعينه مش معايا أصلاً، عينه كانت بتسرح لبعيد، للمكان اللي فيه الست اللي خطفت عقله.
سحبت النَفَس اللي كان مكتوم في صدري بالعافية، وكنت لسه هفتح بوقي عشان أرد، عشان أصرخ في وشه وأقول له إن كرامتي مش لعبة في إيد العيلة ولا في إيد أنانيته، لكنه مقفلش المحضر عند كده.. كان لسه عنده رصاصة تانية عايز يخلص عليها بيها في ليلتنا الأولى.
عدّل قعدته، وبص في ساعته ببرود مستفز، وكأنه بيناقش معايا جدول مواعيد مش مستقبل حياتنا، وكمل كلامه بنفس النبرة الخالية من أي رحمة:
“أنا مش هقدر أقرب منكِ ولا ألمسكِ، مش هظلم نفسي ولا أظلمكِ في علاقة ماليش قلب فيها. وبكرة الصبح، جهزي شنطتكِ.. إحنا هنسافر برة مصر عشان همسك الفرع هناك و الشغل الجديد اللي العيلة فتحته. وهناك، أنا هرد اعتباري وأتجوزها رسمي، وهعيش معاها الحب اللي اتحرمت منه هنا.”
قام من مكانه بكل برود، نفض هدومه وكأنه قايم من اجتماع عمل خلص ونجح في إنه يفرض شروطه فيه. ملامحه متهزتش وأنا حتسه بجسمي كله بيترعش من الصدمة، وقبل ما يتحرك خطوة واحدة ناحية باب الأوضة، التفت ليا وبصلي بجمود وكأنه بيصدر حكم نهائي مش قابل للنقاش، ورشق في قلبي آخر رصاصة في ليلتنا دي:
“وأنا مش هطلقك دلوقتي.. عشان برضه الأصول وعشان ماتبقاش سيرتك على كل لسان والناس تقول اطلقت من أول ليلة. أنا هأجل موضوع الطلاق ده كام شهر، لحد ما الأمور تستقر هناك والناس تنسى. بس لازم تعملي حسابك من دلوقتي.. خلال الشهور دي، لا تضايقي مراتي ولا تيجي جنبها، ولا تفتكري إنك عشان بنت عمي هيبقى ليكي حق عليها. هناك.. أنتي الغريبة وسطينا، هي صاحبة البيت وهي الست اللي اخترتها، وأي حركة أو كلمة منك هتزعلها، مش هترد عليكي هي.. أنا اللي هقف لك. ووقتها هطلق من غير ماعمل حساب لكلام الناس
سكت، ومستناش حتى يسمع نَفَسي، سابني وخرج وقفل الباب وراه ، وساب الصدى بتاع كلمته الأخيرة بيلف في الأوضة “أنتي الغريبة وسطينا”.
الكلمة كانت بتنزل على دماغي زي المطرقة. الراجل اللي المفروض إنه حمايتي وسندي وابن عمى فى والبلد اللي هسافر لها معاه، كل ده اتمسح في ثواني. بقيت قاعدة بالفستان الأبيض وسط جدران مقفولة، مستنية سفر مش هكون فيه غير مجرد “حرمة مستعارة” في بطاقة راجل، و”غريبة” في بيت الست اللي ملكت قلبه. عيني كانت بتلف في أركان الأوضة، والدموع اللي حبستها قدامه نزلت بحرقة.. مش ضعف، بس ذهول من كتر القسوة والترتيب البارد اللي اترمى في وشي في ليلة المفروض إنها ليلتي.
مسحت دمعة سخنة نزلت على خدي، وبصيت للفستان الأبيض اللي كان من شوية حلم، ودلوقتي بقى عامل زي القيد اللي مكتف روحي. قمت وقفت قدام المراية، كنت ببص لشكلي ومكنتش مصدقة إن دي أنا. البنت اللي كانت من كام ساعة بتضحك والكل بيحسدها على فستانها وعريسها ابن عمها، دلوقتي واقفه مكسورة، مطعونة في كرامتها من أقرب الناس ليها.
لميت فستاني بإيد بتترعش، وبدأت أفك الطرحة والدبابيس وبيرن في وداني صوته البارد وهو بيقول: “أنتي الغريبة وسطينا”.
لمحة نيوز
الليل عدا عليا وأنا صاحية، منمتش ولا دقيقة. كنت قاعدة على طرف السرير، عيني على الشنط اللي اتجهزت للسفر. الشنط دي اللي كنت شايلاها وفيها أحلامي لبيتنا الجديد، بقت دلوقتي عبء، كأني مسافرة لزنزانة مش لبلد جديدة.
هو نام في الأوضة التانية ولا كأنه عمل حاجة، نام بنوم هادي بتاع حد رتب كل خطوة في حياته ومهموش مين اللي هينداس في السكة.
مع أول خيط نور للصبح، الباب اتفتح. دخل عليا وهو لابس هدوم السفر، بكامل أناقته وبروده المعتاد. بص للشنط، وبعدين بصلي ولقاني لسه بهدومي ومغيرتش لسه ملامح الصدمة من على وشي.
قال بلهجة آمرة ومستعجلة:
”جهزي نفسك، الطيارة كمان كام ساعة. مش عايز تأخير، ومش عايز حد من أهلنا في المطار يلمح على وشك لفتة واحدة تفضح اللي اتقال بالليل. قدامهم إحنا العرسان اللي طالعين يبنوا مستقبلهم، مفهوم؟”





