روايه كامله

رجعت من الشغل هلكانة، لقيت عيلة جوزي ملمومين وقالبين الصالة مطعم سمك فاخر جمبري، وكابوريا، وسوشي، وكل ما لذّ وطاب، وبنتي قاعدة لوحدها في ركن بتسف كيس أندومي. لقيتها بتبصلي بكسرة نفس وبتقولي بصوت واطي تيتا قالتلي إنتي وأمك ملكوش غير الأندومي ده. لمحت الفاتورة مرمية على الطرابيزة ب 12 ألف جنيه. ما نطقتش ولا عملت دوشة، قفلت كل فيز البنك بتاعتي، وبعد ساعة واحدة بس، جوزي رن عليا وهو بيصرخ ومرعوب من مصيبة أكبر بكتير من حوار العشا.
مريم بنتي عندها حداشر سنة، كانت ماسكة علبة الأندومي في إيدها ومكسورة، وهما في الأوضة التانية بيهزروا وبيضحكوا على وليمة سي فود محترمة. لما قالتلي إن حماتي شايفة إن فلوسي وشقايا اتعملوا عشان هما يتبسطوا، فهمت ساعتها إن الموضوع مش مجرد لقمة ولا عشا ناقص رباية.
دي كانت الإشارة اللي مستنياها بقالي شهور عشان أكشف المستخبي.
بقالي أكتر من ست شهور شايفة حركات غريبة، ورق رسمي بيظهر في أماكن مريبة، ومصاريف وسحوبات من ورايا ومحدش بيديني إجابة عليها. فضلت ساكتة وعاملة عبيطة عشان كنت عايزة أعرف أخرتهم إيه وناويين على إيه بالظبط.
بس الليلة دي، الموضوع مبقاش مجرد فلوس بيلهفوها من ورايا.
الموضوع وصل لكرامة بنتي وكسرة خاطرها.
مسكت إيدها وقولتلها البسي جاكتك يا مريم، ونزلنا من الشقة ومفتحتش بقي مع مخلوق. قعدنا في كافيه هادي، طلبتلها أكل نضيف وقعدت أبصلها وهي بتاكل براحة وبتلفت حواليها، كأنها خايفة حد يدخل يخطف اللقمة من إيدها.
ساعتها طلعت الموبايل وفتحت أبلكيشن البنك.
وقفت كارتي الأساسي. لغيت الفيزا الفرعية اللي مع حماتي فاطمة. قفلت الكارت الإضافي اللي في جيب جوزي أحمد. غيرت الباسوردات كلها، ووقفت كل التحويلات الشهرية اللي بتسحب من مرتبي تلقائي.
مكنتش متخيلة إن الحركة دي في لحظة هتشقلب الليلة كلها جحيم عليهم.
التليفون مبطلش زن واهتزاز. الأول كانت مكالمات هستيرية من أحمد. بعدها رسايل نازلة ترف من أخته شيرين بتسألني عن عربون المقاول وتشطيب الشقة اللي فوق، مشروع أنا عمري ما وافقت عليه ولا أعرف عنه حاجة!
هنا الصورة وضحت.. عشا السمك طلع قشرة صغيرة لمصيبة تانية.
كان في خطة بتترتب بقالها شهور عشان يلهفوا شقتي، ببياناتي، وباسمي، وبثقتي اللي خنوها.
بصيت لمريم، ولأول مرة من سنين مبقتش بفكر إزاي أهدي المشاكل وأمشي المركب عشان متخربش.
بقيت بفكر إزاي أفرم اللي حاول يدوس على بنتي، وأحمي حقي اللي باقي.
طلعت الفلاشة اللي شايلاها في شنطتي بقالها أسابيع، وحطيتها على الترابيزة قدامي.
دي مكنتش مجرد تهديد.
دي كانت كل الأدلة والمصايب اللي كنت صابرة عليها ومستنية اللحظة دي بالذات عشان أطلعها.
أنا مكنتش راجعة البيت عشان أزعق وأعمل خناقة ستات.
أنا راجعة عشان آخد حقي تالت ومتلت وأمسك زمام الأمور كلها بإيدي.
ولما أحمد فهم أخيراً إن كل الكروت وقفت والسبوبة طارت، أول واحد جري واتحرك مكنش أنا.
كان هو.
لأنه جرى زي المجنون يفتح باب الأوضة اللي شايل فيها ورق الشقة وعقودها، وهناك.. لقى مفاجأة عمره ما كان يتخيلها في أتعس كوابيسه.
فضلت قاعدة في الكافيه، حاطة إيدي تحت خدي وببص لمريم وهي بتاكل الساندوتش على مهلها خالص، عيونها كانت تايهة وبتبص في طبق البطاطس كأنها لسه مش مستوعبة إنها خرجت من البيت ده. كل قطمة كانت بتاكلها كانت بتنزل في قلبي زي السكين. البنت اللي طالعة عيني ليل ونهار في الشغل والمأموريات ومطحونة بين مكاتب الحسابات والاجتماعات عشان أضمن ليها عيشة كريمة ومدارس نضيفة ومستقبل محدش يذلها فيه، تقعد في صالة بيتي، بيتي اللي دافعة فيه شقا عمري قرش بينطح قرش، تتسول لقمة؟ وتاكل كيس شعرية بماية مغلية عشان الباشا وعيلته يضربوا فسفور وسوشي بفلوسي أنا؟
التليفون على الترابيزة كان بيهتز كأنه جاله صرع. الشاشة مابتلحقش تطفي. أحمد بيرن.. يرن ويفصل ويرن تاني، ووراها رسايل واتساب ورا بعض إنتي فين يا ندى؟ انتي قفلتي الكروت ليه؟ فيه إيه؟ الناس واقفة على الدفع والدنيا واقفة، افتحي الكارت حالاً يا ندى متصغرناش! ردي عليا بقولك.. انتي اتجننتي؟
قفلت صوت التليفون خالص وقلبته على وشه. مسكت الفلاشة الصغيرة الفضية اللي بين صوابعي، وقعدت ألفها براحة. هما فاكرين إني كنت نايمة على وداني طول الشهور اللي فاتت دي. فاكرين إن سكوتي وطيبتي وتفويتي للحركات القرعة بتاعتهم كان عبط وسذاجة. الست لما بتسكت مش معناها إنها مش فاهمة، الست بتفضل تجمع الخيوط بهدوء لحد ما تلف الحبل كله حوالين رقبة اللي فاكر نفسه ذكي.
خلصت مريم أكلها ومسحت إيديها، وبصتلي بخوف وقالتلي ماما، إحنا مش هنروح؟ بابا زمانه زعلان، وتيتا هتقعد تدعي علينا وتسمعنا كلام يسم البدن.
ابتسمت لها، ابتسامة باردة جداً، ومسحت على شعرها بحنية متخافيش يا قلب أمك. مفيش حد يقدر يرفع عينه فيكي بعد النهاردة، ولا مخلوق على وش الأرض يقدر يكسر نفسك تاني وأنا عايشة وبتنفس. اتقلي وشوفي أمك هتعمل إيه.
قمت حاسبت على الكافيه، وطلبت أوبر عشان يوصلنا لحد العمارة. الطريق من الكافيه للبيت مكنش بياخد أكتر من تلت ساعة، بس التلت ساعة دي كانت دماغي شغالة فيها زي المفرمة. بفتكر من ست شهور فاتوا لما لاحظت أول حركة ناصحة من أحمد.
كان مروح البيت يومها ومعاه حلويات وفرحان زيادة عن اللزوم، وبيقولي بقولك إيه يا ندى، إنتي عارفة
إن المقاولين اليومين دول أسعارهم بتطير في السما والحديد والأسمنت كل يوم بيغلى، وأختي شيرين نفسها توسع الشقة اللي فوق عشان لما تتجوز، وإحنا لو بنينا الدور الزيادة ده باسمك إنتي، إحنا اللي هنستفاد بعدين.
يومها استغربت، وسألته وليه باسمي أنا؟ وشيرين تدفع نصيبها ولا إحنا هندفع كل حاجة؟ لقيته اتلجلج وقال لا يا حبيبتي، ما انتي عارفة إن شيرين مش موظفة ومتقدرش تاخد تسهيلات ولا قروض، لكن إنتي وضعك في الشركة كبير وحسابك البنكي ممتاز، فإحنا نفتح التسهيل باسمك والضمانات من عندك، وكلنا إيد واحدة يا بنتي هي شيرين غريبة؟ دي أختي الصغيرة زي بنتك مريم!
وقتها سكتت ومديتش رد قاطع، بس بدأت أفتح عيني على وسعها. بدأت ألاحظ إن كشف الحساب بيجيلي ناقص، وفيه تحويلات صغيرة بس مستمرة بتتسحب لحسابات مقاولات ومصالح أنا معرفهاش. كارت المشتريات اللي كنت سايباه مع حماتي للحالات الطارئة ومصاريف البيت في غيابي كان بيسحب أرقام فلكية في أماكن ملهاش علاقة بالبيت، وسوبر ماركت من الغالي جداً، وفواتير صيدليات لحاجات تخص شيرين وخالتها، وأنا أدفع وأقول معلش عشان خاطر أحمد والمركب تمشي.
لحد ما من تلات أسابيع بالظبط، كنت بنضف المكتب ولقيت دوسيه لونه أزرق واقع ورا الخزنة الصغيرة في أوضة الضيوف. فتحته بإيدي وفوجئت بصور بطاقتي وصور عقود الشقة وشهادات استثمار كانت بابا الله يرحمه سايبهالي، وكلهم معمول بيهم توكيل من ورايا، توكيل بيحاولوا يستخرجوه عشان يقدروا يتصرفوا في رهن الشقة للبنك ويسحبوا قرض بمليون ونص لمشروع مقاولات وتعلية لصالح شيرين وجوزها المستقبلي!
يومها قعدت على الأرض والدموع اتجمدت في عيني. مكنتش مصدقة إن الراجل اللي شاركته عشر سنين، اللي ساندته لما اتفصل من شغله القديم، واللي وقفت

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *