روايه كامله

الأرض هيطلعله قرض بضمان عقار مش بتاعه.
المعلم جلال عينه لمعت بغضب حارق، لف لأحمد بخطوة سريعة وقرب من وشه لحد ما أنفاسه بقت بتخبط في وشه صحيح الكلام ده يا روح أمك؟! بقى إنت بتنصب عليا أنا يا حتة موظف مفلس؟ مشغلني ومحضرلك الحديد والأسمنت وكاتب على أختك وصولات أمانة وإنت معندكش ريحة التوكيل أصلاً؟!
أحمد ركبه خبطت في بعض، وصوته طلع مخنوق والله يا معلم جلال أنا.. ندى كانت موافقة بس هي اللي غيرت رأيها فجأة، أنا مكنتش بنصب، أنا كنت هسددلك والله!
تسدد منين يا شحات؟ المعلم جلال زعق بصوت هز جدران الشقة، حماتي حطت إيدها على راسها وقعدت تصوت، والمعلم كمل بزعيق إنت عارف الشيك اللي معاك ده لو مرجعش بكرة الصبح، وقيمة المصاريف اللي خسرتها عشان حجز البضاعة ما ادفعتش كاش، إنت وأختك اللي ماضية الضامن هتباتوا في حجز قسم الدقي بكرة بعد الضهر؟!
شيرين انهارت على الأرض وقعدت تعيط بهستيريا أبوس إيدك يا معلم جلال متحبسنيش! أنا ماليش دعوة، أحمد هو اللي قالي دا مشروع العمر وإحنا هنبني الشقق ونبيعها وناخد ملايين، هو اللي وداني ومضاني!
تصفوا حساباتكم دي برة بيتي قولت الكلمتين دول وأنا بشاور على مدخل الشقة وببص للمعلم جلال يا معلم جلال، إنت راجل صاحب حق وتاجر في السوق وليك اسمك، وأنا ست ماليش في الحوارات دي، بس مفيش طوبة هتتحط على سطوحي، ومفيش مليم هيطلع من حساباتي. حسابك مع اللي مضالك، خدهم معاك وروحوا على قسم، روحوا على محامي، روحوا في داهية.. بس الكلام ده يتحل في الشارع مش في صالة بيتي.
المعلم جلال بصلي باحترام ممزوج بالغضب، وهز راسه عندك حق يا ست هانم، العيب مش عليكي، العيب على الندل اللي لابس بدلة ونازل يستغل حريمه وينصب باسمهم.
لف المعلم لأحمد ومسكه من ياقة قميصه بقسوة وشده لقدام قدامك ساعتين يا أستاذ، تلم فيهم تمن العربون ومصاريف نقلي من تحت الأرض، وتيجي تسلمهم في مكتبي وتاخد ورق أختك، وإلا قسماً بعزة جلال الله البلاغ هيكون في النيابة مع أذان الفجر! قدامي إنت وهي!
حماتي قامت تجري على ابنها، بتشد فيه وبتبكي سيب ابني يا راجل إنت! إنت متعرفش إحنا مين!
إنتوا شوية نصابين مفلسين! المعلم جلال زق أحمد لقدام على السلم اتحرك قدامي بدل ما أجرجرك على بطنك قدام العمارة كلها!
شيرين طلعت تجري وراهم وهي بتعيط وتلطم، وحماتي وقفت عند باب الشقة، لفت وشها ليا وعيونها بتطق شرار وحقد، ولسانها ملقاش غير الدعاء الأسود تقوله ربنا يخرب بيتك يا ندى زي ما خربتي بيتنا! ربنا يدوقك اللي دوقتيهولنا!
بصيت لها وابتسمت، ابتسامة باردة شفت فيها كل سنين التعب والقهر وهي بتتبخر بيتي اتخرب يوم ما دخلتوه يا حاجة فاطمة، والنهاردة بس بيتي بيطهر. اطلعي برة واجري ورا ابنك يمكن تلاقي حد يسلفكم تمن البلاغ، وكارت البنك اللي في جيبك ارميه في أي مقلب زبالة عشان خلاص بقى حتة بلاستيك ملوش تمن.. زيكم بالظبط.
زقيت الباب في وشها بكل قوتي، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها، ومسكت الترباس وقفلته بتكتين.
أول ما الصوت انقطع والباب اتقفل، حسيت فجأة إن الصالة وسعت، كأن هوا نضيف دخل البيت لأول مرة من سنين. ريحة الزفارة والبواقي اللي على السفرة مكنتش مضايقاني زي الأول، لأنها خلاص كانت علامة على نهاية كابوس تقيل كان كاتم على نفسي.
روحت على أوضة مريم، خبطت خبطتين خفاف وفتحت الباب براحة. لقيت مريم قاعدة على السرير، حاضنة المخدة بتاعتها وعيونها بتبص على الباب بخوف وترقب. أول ما شافتني، نزلت من على السرير وجريت عليا، اترمت في حضني ومسكت في رقبتي بقوة ماما.. هما مشيوا؟ خلاص مش هيرجعوا تاني؟
شيلتها في حضني، وقعدت على طرف السرير، ودفنت راسي في شعرها وشميت ريحتها. حسيت بدموعها بتبلل كتفي، بس المرة دي كانت دموع خوف بيتبدد، مش دموع انكسار وذل مشيوا يا حبيبتي، مشيوا ومش هيدخلوا العتبة دي تاني طول ما أنا فيا نفس. البيت ده بيتك، وشقايا ده كله ليكي، ومفيش مخلوق يقدر ياخد منك لقمة ولا يبصلك بصة متعجبكيش بعد النهاردة.
مريم بصتلي وعينيها بتلمع طب وبابا؟
اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من قاع صدري بابا اختار طريقه يا مريم، واختار الناس اللي يمشوا معاه، وإحنا ملناش مكان في سكته. بكرة تفهمي كل حاجة وتعرفي إن أمك عملت الصح عشانك وعشان تحميكي.
سبتها في الأوضة تغير هدومها وتستريح، وخرجت للصالة. مسكت كيس زبالة كبير أسود، وبدأت ألم بواقي الأكل الفاسد، علب الجمبري، وقشر الكابوريا، والمناديل، وبواقي السوشي اللي كانوا بيتفاخروا بيه، وكيس الأندومي الفاضي اللي كان شاهد على قهر بنتي. مسحت السفرة كلها بمطهر، وفتحت الشبابيك عشان يدخل هوا الليل البارد يطرد كل روايحهم العفنة من الشقة.
قعدت على الكنبة، طلعت الفلاشة وحطيتها في اللاب توب بتاعي، وفتحت الإيميل وبعتت نسخة من كل المستندات، والتحويلات المسروقة، وصور الوصولات للمحامي بتاعي مع رسالة قصيرة يا متر، الصبح نرفع قضية طلاق للضرر، وقضية تمكين كامل من الشقة، وبلاغ رسمي بتبديد أموال واستغلال توكيلات. مش عايزة مليم يرجعلي منهم، أنا بس عايزة ورقة طلاقي وحقي القانوني في بنتي والبيت ده، ومش هتنازل عن قرش واحد في حقوق مريم الشرعية.
التليفون على الترابيزة رن مرة تانية، شاشته نورت باسم أحمد. فضلت أبص للاسم للحظات، مكنش في قلبي أي ذرة شفقة ولا ندم، كان فيه بس راحة غريبة.. راحة إنسان كان شايل جبل على ضهره ونزله فجأة في نص السكة وكمل طريقه وهو خفيف وقادر يتنفس.
قفلت التليفون خالص، وحطيته في الشنطة.
قومت دخلت أوضة مريم، لقيتها نامت من التعب وسابت النور الصغير شغال. غطيتها كويس، وبوست جبينها، وقعدت جنبها وأنا باصة للسما من الشباك المفتوح. الصبح كان قرب يطلع، وخيوط الفجر بدأت تبان في أفق القاهرة الهادية.
كنت عارفة إن الأيام اللي جاية مش هتكون سهلة، ومحاكم ومشاكل وقواضي هتدور، بس كنت متأكدة من حاجة واحدة بس إن اللي يبيع بنته ويكسر نفسها عشان يرضي طمعه وطمع عيلته، لازم يخسر كل حاجة في لحظة واحدة. والست اللي قدرت تبني بيتها بشقاها وحيلتها، قادرة تهد الدنيا فوق راس اللي يفكر يدوس على كرامتها وكرامة ضناها، وتبدأ من جديد وهي راسها مرفوعة في السما.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *