روايه كامله

تفكروا في المقاول، إنتوا قدامكم نص ساعة بالظبط.
أحمد بصلي بذهول نص ساعة لإيه؟
شيلت شنطتي على كتفي، ووقفت عند باب الصالة وقولت بصوت حاسم مفيش فيه رجعة نص ساعة تلموا فيها كراكيبكم دي وتخرجوا برة بيتي. إنت، وأمك، وأختك. واللي هيفضل فيكم هنا بعد النص ساعة، أنا مش هتصل بالبوليس.. أنا هتصل بالمقاول نفسه اللي مستني فلوسه تحت، وأقوله إن الراجل اللي ماضي معاك ملوش أي مليم عندي ولا يملك في البيت ده حبة رمل واحدة، واخليه هو ييجي يتفاهم معاكم بنفسه على طريقته.
وش أحمد اصفر، لأن المقاول ده كان راجل تقيل ومبيفهمش غير لغة القوة والفلوس، والاسم لوحده كان كفيل يرعبهم.
حماتي بصت لابنها مستنية منه يرد أو يتخانق، بس أحمد فضل واقف متسمر في مكانه، باصص للورق المرمي على الأرض، وعارف إن اللعبة كلها اتقلبت عليه. بس قبل ما يفتح بوقه بحرف واحد، جرس الباب رن رنة طويلة ومرعبة.. وخبطات تقيلة وعنيفة بدأت ترزع على الباب من برة.
الخبط على الباب كان بيرن في ودانهم زي ضرب الطبول في ساحة إعدام. الرزعة مكنتش رنة جرس بتاعة ضيف مؤدب، دي كانت خبطات إيدين خشنة، وصوت جهوري بيهز الباب الخشب من برة يا أستاذ أحمد! افتح يا باشا، إحنا مش هنفضل واقفين في مدخل العمارة والعمال مستنيين على صفيح ساخن! الكلام اللي اتفقنا عليه يخلص الليلة دي بدل ما نخليه يخلص بطريقة تانية!
أحمد وشه اتحول للون الجير المطفي، شفايفه نشفت وعينيه كانت بتلف في الصالة زي الفار المحبوس في مصيدة. شيرين شهقت وحطت إيدها على بوقها ورجعت لورا لزقت في الحيطة، وحماتي الحاجة فاطمة قعدت تهز في رجليها وتفرك في صدرها كأن ضغطها وقع في الأرض فجأة.
بصيت لأحمد ببرود تام، وشاورت براسي ناحية الباب ما تفتح يا باشمهندس؟ شكلك عازم ناس تانية على الوليمة ولا إيه؟ افتح للراجل اللي إنت مدبسه في شيكات عشان يوسع لشيرين هانم!
أحمد جه يجري عليا، ووطى صوته لدرجة الهمس المبحوح ومسك طرف دراعي ندى، أبوس إيدك ورجلك استري عليا! المعلم جلال المقاول مش ساهل، ده راجل مجنون وممكن يقلب الدنيا فوق روسنا ويجيب سيرتنا في المنطقة كلها! قوليلي أعمل إيه بس؟ الكارت يتفتح دلوقتي حالا نخرج بيه من الورطة دي وأنا بكره الصبح هكتبلك تنازل عن كل حاجة إنتي عايزاها!
نفضت إيده من على دراعي بقرف، وبصيت له نظرة حسسته إنه نملة تحت جزمتي تشيل إيدك دي يا أحمد بدل ما أقطعها لك. تنازل عن إيه يا روح أمك؟ هو إنت تملك حاجة أصلاً عشان تتنازل عنها؟ الشقة شقتي، والفرش فرشي، وشقى السنين ده كله بتاعي أنا وبنت بابا الله يرحمه. إنت هنا كنت مجرد ضيف تقيل على قلبي بقالي سنين وصابرة عليك عشان البت متترباش بعيد عن أبوها، بس لحد كرامة بنتي ولقمتها.. الخط الأحمر اتقلب نار وهتاكلكم كلكم.
الخبط زاد، وصوت المعلم جلال علي أكتر يا أستاذ أحمد، أنا صبري قليل والرجالة اللي تحت معايا عايزين يمشوا، نكسر الباب يعني ولا إيه الحكاية؟!
حماتي اتجننت وبدأت تضرب كف بكف وتصرخ في وشي بصوت مبحوح منك لله يا ندى! يا قادرة يا فاجرة! عايزة تفضحينا وتودي ابني في داهية؟ ده انتي لحم كتافك وكتاف بنتك من خيره! دا إحنا سترنا عليكي وجوزناكي لابني الوحيد!
ضحكت، ضحكة رنت في الصالة كلها وخلت حماتي تسكت وتبرق بعينيها سترتوا عليا؟ يا ولية اختشي على سنك وبلاش تمثيل الشحاتين ده! دا أنا اللي جايباه من على بلاطة، أنا اللي طلعت ديونه من البنوك قبل الجواز، وأنا اللي خليت ليه هيبة قدام الناس بعد ما كان شغال سكرتير عند الناس الكبار ومحدش بيعمله حساب! ولحم كتافي منين؟ دا كارت البنك اللي في محفظتك ده هو اللي جايب هدومك ودهبك اللي فاردة بيه ضهرك في أفراح قرايبك! اخرسي خالص وادعي ربنا تخرجي من هنا مستورة قبل ما أطلب النجدة تاخدكم كلكم في عربية الترحيلات بتهمة السرقة وخيانة الأمانة!
شيرين عيطت وبصت لأخوها أحمد.. اتصرف يا أحمد! الراجل لو دخل هنا هيقلبها دمار، ده واخد مني بطاقتي وضامن بيها وصولات الأمانة! لو ندى مادتناش الفلوس، أنا اللي هتحبس!
أحمد لف حوالين نفسه زي المجنون، راح ناحية الباب وبص في العين السحرية، وبعدين رجع بصلي وهو عيونه مليانة دموع ذل وغدر في نفس الوقت ندى.. مفيش فايدة يعني؟ عشر سنين هتهون عليكي في ليلة واحدة عشان وجبة سمك؟
وجبة سمك؟ رديت عليه بنبرة حادة وواضحة وجبة السمك دي كشفت رخصكم، كشفت إنكم ديابة دخلتوا البيت ده عشان تنهشوا فيه، مش عشان تبنوا أسرة. وجبة السمك دي علمتني إن اللي يستخسر لقمة نضيفة في بطن طفلة مالهاش ذنب، ميستاهلش حتى رغيف حاف. إنت هنتني وهنت بنتي يا أحمد، والراجل اللي يهين بنته عشان يرضي طمع أهله ميبقاش راجل.
مشيت بكل ثبات ناحية باب الشقة. أحمد حاول يقف قدامي، زقيته بإيدي بقوة خلت جسمه يترنح لورا، شديت الترباس وفتحت الباب على وسعه.
المعلم جلال كان واقف، راجل عريض المنكبين لابس جلابية بلدي وفوقيها سديري صوف، وفي وشه علامات غضب من الوقفة على السلم، ووراه اتنين رجالة من عمال البنا شكلهم ميطمنش. أول ما الباب اتفتح، بصلي ورفع حاجبه باستغراب السلام عليكم.. أومال الأستاذ أحمد مبيفتحش ليه يا مدام؟ إحنا بقالنا نص ساعة بنرن وراقدين على السلم!
بصيت له بكل هدوء وثبات، ورسمت ابتسامة رسمية باردة وعليكم السلام يا معلم جلال. اتفضل خطوة جوة عشان الجيران وسرعة الباب دي متليقش بيك ولا بينا.
المعلم دخل خطوة، عينه لفت في الصالة لقى السفرة مقلوبة وريحة الزفارة معبية المكان، وشاف أحمد واقف مكسوف في الركن وشه في الأرض، وحماتي وشيرين زي الفراخ المبلولة. في إيه يا جماعة؟ مال البيت مقلوب كدة ليه؟ فين الأستاذ أحمد؟ وفين الدفعة اللي قولتلي هتحولها من البنك أول ما تطلع من شغلك؟ أنا عطلت الخلاطة والعمال عشان خاطرك!
أحمد لسانه اتعقد، فضل يبلع في ريقه ومش قادر يجمع جملة مفيدة أصل.. يا معلم جلال.. الأمور اتلخبطت شوية في السيستم بتاع البنك وال…
قاطعته بصوت جهوري قطع أي كدبة كان بيحاول يخترعها مفيش سيستم واقع ولا حاجة يا معلم جلال. الحكاية وما فيها إن الباشا أحمد كان بيبعلك الوهم.
المعلم جلال لف وشه ليا وعينيه ضاقت بشرار يعني إيه الكلام ده يا ست هانم؟
طلعت دوسيه صغير من شنطتي وفتحته قدامه، وطلعت صورة عقد ملكية الشقة والسطوح ورخصة العمارة يعني الشقة دي والسطوح اللي فوق ده بتاعي أنا، ملك خالص ومسجل باسمي في الشهر العقاري وباسم والدي الله يرحمه. أحمد هنا ملوش فيها بلاطة واحدة، ولا يملك توكيل مني بالتصرف، ولا ليه صفة قانونية يتفق معاك على طوبة تتبنى في البيت ده. الورق اللي هو وراهولك من كام أسبوع ده مجرد صور بطايق مسروقة وتوكيل ملغي ومفيش بنك على وش





