زواج مدني بقلم فاتن سليم الجزء الاول

الفصل الرابع: القرار المصيري
لم تنم فاطمة تلك الليلة.
ظلت مستلقية على سريرها تحدق في سقف الغرفة المظلم.
كانت كلمات يوسف تدور في رأسها بلا توقف.
“نسافر.”
كلمة واحدة فقط.
لكنها كانت كفيلة بأن تقلب حياتها رأسًا على عقب.
كيف تترك بيتها؟
كيف تترك أمها التي سهرت على تربيتها؟
كيف تترك أباها الذي كان يعتبرها قطعة من قلبه؟
لكن في المقابل…
كيف تعيش بدون يوسف؟
كانت تشعر وكأنها تقف بين طريقين.
وكلاهما مؤلم.
في الأيام التالية أصبحت حياتها سلسلة من المشاحنات داخل البيت.
الأب يراقبها.
والأم تحاول إقناعها بالابتعاد عن يوسف.
والإخوة يرفضون الحديث معها.
حتى البيت الذي كان يومًا مصدر أمانها أصبح سجنًا كبيرًا.
وفي كل مرة كانت تضعف، كان يوسف يعود ليزرع الأمل داخلها.
ـ إحنا بنحب بعض.
ـ الحب مش كفاية.
ـ يبقى نتمسك بيه أكتر.
ـ وأهلي؟
ـ هيغفروا لكِ مع الوقت.
ـ ولو مغفروش؟
ـ هبقى أنا عيلتك.
كانت تتعلق بهذه الكلمات.
وتصدقها.
لأن قلبها كان يريد تصديقها.
بعد شهرين أخبرها يوسف أنه حصل على فرصة عمل في إحدى الدول الأوروبية.
كان يتحدث بحماس شديد.
ـ دي فرصتنا.
ـ فرصة إيه؟
ـ نبدأ حياتنا من جديد.
ـ بعيد عن أهلي؟
ـ بعيد عن المشاكل كلها.
ظلت صامتة.
فأمسك يدها وقال:
ـ فاطمة… لو سبنا بعض دلوقتي هنندم العمر كله.
كانت دموعها تنزل بصمت.
قال:
ـ أنا مستعد أحارب الدنيا كلها عشانك.
فلمعت عيناها.
ولأول مرة بدأت تستسلم للفكرة.
وفي مساء يوم خريفي هادئ، اتخذت القرار.
القرار الذي سيغير كل شيء.
وافقت على السفر.
عندما علم والدها بالأمر، اشتعل البيت غضبًا.
وقف أمامها وهو يكاد يختنق من القهر.
ـ يعني هتسيبي بيتك وتمشي؟

بتحبي مسيحي لادبنك ولا دينه يسمح

بالجواز دا هتجوز ازايـ أنا بسألك!

فاطمه وهي تنظر للأرض جواز مدني
ـ يا بابا…
ـ
ـ أنا بحبه.
نظر إليها وكأنها شخص لا يعرفه.
ـ الحب خلاكي تبيعي دينك و أهلك و؟
انفجرت بالبكاء.
ـ والله ما قصدي.
ـ يبقى اقعدي في بيتك.
ـ مقدرش.
سقطت أمها على المقعد وهي تبكي بحرقة.
وقالت:
ـ متكسريش قلبي يا بنتي.
كانت تلك أصعب لحظة مرت بها فاطمة في حياتها.
لكنها كانت قد حسمت أمرها.
أو هكذا ظنت.
في صباح السفر.
استيقظت قبل الجميع.
وقفت تتأمل جدران غرفتها.
الصور القديمة.
كتب المدرسة.
ملابسها.
الذكريات التي عاشت بينها سنوات طويلة.
لم تتمالك نفسها.
وانفجرت في البكاء.
كانت تشعر وكأنها تودع عمرًا كاملًا.
عند باب المنزل وقفت أمها.
كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء.
اقتربت فاطمة لتقبل يدها.
لكن الأم سحبت يدها وهي تبكي.
وقالت:
ـ ربنا يهديكي.
شعرت فاطمة وكأن سك..ينًا انغرس في قلبها.
ثم نظرت إلى أبيها.
كان يقف بعيدًا.
صامتًا.
لم يتكلم.
ولم يودعها.
فهذا الصمت كان أشد ألمًا من ألف كلمة.
غادرت المنزل.
وركبت السيارة بجوار يوسف.
كانت الدموع لا تتوقف.
أما يوسف فكان يحاول طمأنتها.
ـ كل حاجة هتبقى كويسة.
نظرت من نافذة السيارة.
وشاهدت بيتها يبتعد شيئًا فشيئًا.
حتى اختفى تمامًا.
وفي تلك اللحظة شعرت لأول مرة بحجم ما فعلته.
لكن الوقت كان قد فات.
بعد ساعات طويلة من السفر، هبطت الطائرة في البلد الجديد.
مدينة كبيرة.
شوارع واسعة.
وجوه غريبة.
ولغة لا تفهم منها شيئًا.
تمسكت بذراع يوسف وكأنها تتمسك بالشيء الوحيد الذي تبقى لها في الدنيا.
ابتسم لها وقال:
ـ من النهارده هنبدأ حياتنا الجديدة.
ابتسمت رغم خوفها.
ولم تكن تعلم أن الحياة الجديدة التي تحلم بها ستخفي خلف أبوابها اختبارات أصعب مما تتخيل.
بعد أسابيع قليلة تم عقد زواجهما المدني.
وقفا أمام الموظف الحكومي.
وقع كل منهما الأوراق.
ثم أعلِن رسميًا أنهما أصبحا زوجًا وزوجة.
نظر إليها يوسف مبتسمًا.
وقال:
ـ أخيرًا بقينا مع بعض.
ابتسمت له.
لكن في أعماق قلبها كان هناك صوت خافت يسأل:
هل انتهت المعركة؟
أم أنها بدأت للتو؟
نهاية الفصل الرابع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *