زواج مدني بقلم فاتن سليم الجزء الاول

الفصل الخامس: سنوات الغربة
في الأيام الأولى بعد الزواج، كانت فاطمة تشعر وكأنها تعيش حلمًا جميلًا.
مدينة جديدة.
بيت صغير يجمعها بيوسف.
ولا أحد يعترض على وجودهما معًا.
كانت تردد لنفسها كل ليلة:
“كل اللي ضحيّت بيه هيبقى له معنى.”
وكان يوسف يبذل جهدًا كبيرًا ليجعلها سعيدة.
يأخذها في نزهات نهاية الأسبوع.
ويعرفها على الأماكن الجميلة في المدينة.
ويشتري لها الهدايا في المناسبات.
ولأول مرة منذ فترة طويلة بدأت تشعر بالراحة.
لكن الغربة ليست سهلة.
فكلما مر الوقت، بدأت تكتشف الوجه الآخر للحياة الجديدة.
كانت تستيقظ أحيانًا وتبكي دون سبب.
تشتاق لرائحة بيتهم القديم.
لصوت أمها.
لجلسات العائلة في رمضان.
لصوت الأذان الذي كانت تسمعه من نافذة غرفتها كل يوم.
أما هنا…
فكل شيء مختلف.
اللغة مختلفة.
العادات مختلفة.
والوجوه كلها غريبة.
في إحدى الليالي جلست تبكي بصمت.
لاحظ يوسف حزنها.
جلس بجوارها وسألها:
ـ وحشك البيت؟
هزت رأسها.
ـ أوي.
ضمها إليه وقال:
ـ مع الوقت هتتعودي.
ابتسمت له محاولة إخفاء ألمها.
لكنها في أعماقها كانت تعلم أن بعض الأشياء لا يعتاد الإنسان غيابها أبدًا.
ومرت السنوات.
ورزقهما الله بطفل جميل.
أطلقت عليه فاطمة اسم “عمر”.
كانت تحتضنه وكأنه تعويض من الله عن كل ما فقدته.
وبعد ثلاث سنوات رزقا بطفلة جميلة أسمتها “مريم”.
وأصبح البيت مليئًا بالحياة.
كرست فاطمة حياتها لطفليها.
كانت تحكي لهما قصص الأنبياء قبل النوم.
وتعلمهما الكلمات العربية.
وتحرص على أن يعرفا جذورهما المصرية.
وكانت تقول دائمًا:
ـ مهما كبرتم… متنسوش أنكم من بلد اسمها مصر.
فيضحكان ويقبلانها.
أما يوسف فكان أبًا حنونًا.
يلعب معهما كثيرًا.
ويأخذهما إلى الحدائق والمتاحف.
وكان الأطفال متعلقين به بشدة.
في البداية شعرت فاطمة بالسعادة وهي ترى أسرتها الصغيرة تكبر أمام عينيها.
لكن شيئًا فشيئًا بدأت تلاحظ أمورًا لم تنتبه لها من قبل.
في أحد الأيام عاد عمر من الخارج وهو يحمل كتابًا مصورًا.
سألته:
ـ الكتاب ده منين؟
ـ بابا جابهولي.
فتحت الكتاب.
فاكتشفت أنه يتحدث عن العقيدة المسيحية للأطفال.
توقفت للحظة.
ثم أغلقت الكتاب بهدوء.
وقالت لنفسها:
“أكيد مجرد تعريف.”
فقد كانت ما تزال تتذكر وعد يوسف القديم.
“الأولاد هيختاروا بنفسهم لما يكبروا.”
لكن الأيام التالية حملت مفاجآت أخرى.
ذات صباح دخلت غرفة عمر لتوقظه.
فوجدته يردد كلمات لم تعلمه هي إياها.
سألته:
ـ مين علمك الكلام ده؟
أجاب ببراءة:
ـ بابا.
شعرت بانقباض داخل قلبها.
لكنه كان انقباضًا صغيرًا.
لم تكن تعلم أنه بداية عاصفة كبيرة.
ومع مرور الوقت بدأ يوسف يأخذ الطفلين معه كل يوم أحد.
كانت تسأله:
ـ رايحين فين؟
فيجيب:
ـ يتمشوا معايا شوية.
لكنها اكتشفت لاحقًا أنه يأخذهما إلى الكنيسة بانتظام.
عادت إلى البيت يومها وقلبها مليء بالقلق.
وعندما عاد يوسف واجهته لأول مرة.
ـ أنت بتودي الأولاد الكنيسة؟
نظر إليها بهدوء.
ـ أيوه.
ـ ليه؟
ـ عشان يتعرفوا على ديني.
ـ وإحنا متفقناش على كده.
ـ متفقنا إنهم يعرفوا الحقيقتين.
ـ مش إنك تربيهم على دين واحد.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
ـ متكبريش الموضوع.
لكن فاطمة لم تستطع تجاهل شعورها.
كان هناك شيء يتغير.
شيء لم تفهم حجمه بعد.
في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، وقفت أمام النافذة.
تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة.
وتتذكر يوم قال لها يوسف:
“لما يكبروا هيختاروا بنفسهم.”
ابتسمت بحزن.
ثم همست لنفسها:
ـ يا رب… احفظ أولادي.
ولم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستكشف لها حقيقة صادمة.
حقيقة ستجعلها تشعر أنها لا تخسر أبناءها فقط…
بل تخسر الوعد الذي بنت عليه حياتها كلها.
نهاية الفصل الخامس


