زواج مدني بقلم فاتن سليم الجزء الاول

الفصل الثاني: صدمة الحقيقة
مرت سنة كاملة على قصة الحب التي جمعت فاطمة ويوسف.
سنة من الأحلام والوعود والكلمات الجميلة.
كانت فاطمة ترى فيه شريك حياتها الذي ستكمل معه الطريق، وكان هو يزداد تعلقًا بها يومًا بعد يوم.
وفي أحد الأيام، بينما كانا يجلسان في حديقة الجامعة يتحدثان عن المستقبل، قالت له بابتسامة:
ـ تخيل لما نيجي نتجوز ونعمل بيت صغير لينا.
ابتسم يوسف.
لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة.
بدا وكأنه يخفي شيئًا.
لاحظت فاطمة ذلك فسألته:
ـ مالك؟
تنهد يوسف طويلًا.
ـ في حاجة لازم تعرفيها.
شعرت بانقباض غريب في قلبها.
ـ حاجة إيه؟
صمت للحظات.
ثم قال:
ـ أنا مش مسلم.
تجمدت ملامحها فجأة.
كأن الزمن توقف حولها.
حدقت فيه غير مصدقة ما سمعته.
ـ إنت بتقول إيه؟
خفض رأسه وقال:
ـ أنا مسيحي.
ظلت تنظر إليه في ذهول.
كانت تتوقع أي شيء إلا هذا.
قالت بصوت مرتجف:
ـ يعني إيه مسيحي؟!
ـ يعني ديانتي مسيحية.
ـ وإنت مخبيت عليا كل المدة دي؟
ـ كنت خايف أخسرك.
شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.
قامت من مكانها وهي تحاول استيعاب الأمر.
كل شيء تغير في لحظة.
كل الأحلام التي بنتها في خيالها بدأت تتهاوى.
قالت بغضب:
ـ ليه مقولتليش من الأول؟
ـ كنت بحبك.
ـ الحب مش مبرر للكذب يا يوسف.
ـ والله ما كنت بقصد أخدعك.
ـ بس خدعتني فعلًا.
عادت فاطمة إلى منزلها ذلك اليوم وقلبها مثقل بالحزن.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
ثم انهارت في البكاء.
كانت تعلم جيدًا أن أسرتها لن توافق أبدًا على هذا الزواج.
بل إنها هي نفسها لم تكن تعرف ماذا تفعل.
ظلت طوال الليل تفكر.
هل تنهي العلاقة؟
هل تنسحب قبل أن تتورط أكثر؟
أم تتمسك بالرجل الذي أحبته من كل قلبها؟
في اليوم التالي حاول يوسف الاتصال بها عشرات المرات.
لكنها لم ترد.
وظلت تتجنبه أسبوعًا كاملًا.
إلى أن فاجأها بانتظارها أمام بوابة الجامعة.
قال فور أن رآها:
ـ لازم نتكلم.
ـ مفيش كلام.
ـ اسمعيني بس.
ـ قولت مفيش.
ـ أنا بحبك يا فاطمة.
توقفت خطواتها.
أكمل وهو ينظر في عينيها:
ـ الدين عمره ما هيمنعني أحبك.
ـ لكنه هيمنع حاجات كتير.
ـ إحنا نقدر نتخطى أي حاجة.
ـ إنت مش فاهم.
ـ فاهم كويس.
ـ لا… إنت مش فاهم إني ممكن أخسر أهلي كلهم.
سكت يوسف.
ثم قال:
ـ وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض.
مرت الأيام.
وعادت الاتصالات بينهما.
لكن شيئًا ما تغير داخل فاطمة.
لم تعد تتحدث بحماس الماضي.
ولم تعد أحلامها واضحة كما كانت.
كان الخوف يتسلل إلى قلبها في كل مرة تفكر فيها بالمستقبل.
وفي إحدى الليالي سألته:
ـ لو اتجوزنا… أولادنا هيبقوا إيه؟
ساد الصمت للحظات.
ثم أجاب:
ـ لما يكبروا يختاروا بنفسهم.
ـ يعني مش هتفرض عليهم دينك؟
ـ أبدًا.
ـ متأكد؟
ـ أوعدك.
كانت تلك الكلمة هي ما احتاجت لسماعه.
“أوعدك.”
تمسكت بها كالغريق الذي يتعلق بقشة.
ولم تكن تعلم أن هذا الوعد سيصبح بعد سنوات أكبر جرح في حياتها.
وفي الجانب الآخر، كانت هناك عاصفة تقترب.
فقد بدأت والدة فاطمة تلاحظ تغير ابنتها.
كثرة شرودها.
ابتسامتها المفاجئة أحيانًا.
وإخفاء هاتفها باستمرار.
وبدأت الشكوك تتسلل إلى قلب الأم.
أما فاطمة…
فلم تكن تعرف أن الأيام القادمة ستحمل لها مواجهة أصعب بكثير من اكتشاف الحقيقة.
مواجهة مع أسرتها كلها.
مواجهة ستضعها بين خيارين لا ثالث لهما:
إما حبها…
أو أهلها.
الفصل الثالث: الرفض
لم تستطع فاطمة أن تخفي الأمر طويلًا.
فالأسرار مهما طال عمرها، يأتي يوم وتنكشف.
وفي مساء أحد الأيام، كانت تجلس في غرفتها تتحدث مع يوسف عبر الهاتف.
كانت أمها تمر بجوار الباب عندما سمعت اسمًا يتكرر أكثر من مرة.
توقفت.
أنصتت قليلًا.
ثم سمعت ابنتها تقول بصوت خافت:
ـ أنا خايفة يا يوسف…
ارتبكت الأم.
فاطمة لم تكن معتادة على الحديث مع أي شاب.
انتظرت حتى أغلقت المكالمة.
ثم دخلت الغرفة فجأة.
فوجئت فاطمة بها أمامها.
ـ كنتي بتكلمي مين؟
ارتبكت.
ـ زميلة في الجامعة.
نظرت إليها أمها طويلًا.
ـ بصي في عيني وقوليها تاني.
خفضت فاطمة رأسها.
وفي تلك اللحظة فهمت الأم كل شيء.
لم يمر وقت طويل حتى عرف الأب.
وكان رجلًا صارمًا يحظى باحترام الجميع.
جلس في الصالة ينتظر عودة ابنته من الجامعة.
وعندما دخلت، وجدته جالسًا بصمت مخيف.
قال بهدوء:
ـ اقعدي.
جلست وقلبها يرتجف.
سألها مباشرة:
ـ مين يوسف؟
شحب وجهها.
لم تستطع الرد.
فعرف أنها الحقيقة.
ضرب بيده على الطاولة بقوة.
ـ من إمتى وإنتي بتكلمي شباب من ورا أهل بيتك؟
بدأت دموعها تنزل.
ـ يا بابا اسمعني بس…
ـ مفيش حاجة أسمعها.
ـ أنا بحبه.
ساد الصمت.
ثم وقف الأب فجأة.
وكأن الكلمة كانت صفعة تلقاها على وجهه.
ـ بتحبيه؟
ـ أيوه.
ـ وإنتي ناسية تربيتك؟
ـ لا يا بابا.
ـ يبقى إزاي تعملي كده؟
حاولت أمها التدخل.
لكن الأب كان في قمة غضبه.
بعد ساعات طويلة من النقاش والصراخ والبكاء، جاءت الضربة الأكبر.
قال الأب:
ـ الشاب ده دينه إيه؟
سكتت فاطمة.
شعر الأب بالخطر.
ـ ردي.
ـ مسيحي.
ساد صمت ثقيل.
كأن البيت كله توقف عن التنفس.
جلست الأم مكانها مذهولة.
وأخذ الأب يحدق في ابنته غير مصدق.
ثم قال بصوت منخفض لكنه مرعب:
ـ إنتي فقدتي عقلك؟
تحولت الأيام التالية إلى معركة يومية.
الأب يرفض مجرد سماع اسم يوسف.
والأم تبكي خوفًا على ابنتها.
والإخوة يشعرون بالخزي أمام الناس.
أما فاطمة فكانت تعيش بين نارين.
حبها من جهة.
وأسرتها من جهة أخرى.
في إحدى الليالي دخلت عليها أمها.
جلست بجوارها على السرير.
ومسحت دموعها.
ثم قالت:
ـ يا بنتي… الحب مش كل حاجة.
بكت فاطمة.
ـ أنا مش قادرة أبعد عنه.
ـ وهتقدري تبعدي عن أهلك؟
سكتت.
ـ هتقدري تعيشي من غير أمك وأبوك؟
ازدادت دموعها.
ـ يا ماما أنا بحبه.
ـ وأنا بحبك أكتر من نفسي… وعشان كده خايفة عليكي.
في اليوم التالي طلب الأب مقابلة يوسف.
وافق يوسف فورًا.
وكان يظن أن الأمر سيكون مجرد حديث عقلاني.
لكنه لم يكن يعرف طبيعة الأب.
جلس الرجلان في غرفة الضيوف.
الأب ينظر إليه ببرود.
ويوسف يحاول الحفاظ على هدوئه.
قال الأب:
ـ أنت عايز تتجوز بنتي؟
ـ أيوه.
ـ وتفتكر إني هوافق؟
ـ أنا بحبها وهحافظ عليها.
ابتسم الأب بسخرية.
ـ الحب وحده مش كفاية.
ـ أنا مستعد أعمل أي حاجة.
ـ إلا إنك تغير دينك.
ساد الصمت.
فهم يوسف أن الباب مغلق.
قال الأب بحزم:
ـ اسمعني كويس… بنتي عمرها ما هتتجوزك.
وقف يوسف ببطء.
ثم قال:
ـ وأنا عمري ما هسيبها.
خرج من البيت وقلبه مشتعل.
واتصل بفاطمة فورًا.
ـ أبوكي مستحيل يوافق.
بكت.
ـ كنت عارفة.
ـ لازم نفكر في حل.
ـ أي حل؟
صمت للحظات.
ثم قال:
ـ نسافر.
ارتجف قلبها.
ـ نسافر؟
ـ نبدأ حياة جديدة بعيد عن كل الضغوط دي.
ـ وأهلي؟
ـ هيهدوا مع الوقت.
ـ مستحيل.
ـ لو فضلنا مستنيين موافقتهم هنضيع بعض.
أغلقت الهاتف تلك الليلة وهي لا تعرف ماذا تفعل.
لكن فكرة السفر بدأت تتسلل إلى عقلها.
ببطء.
مثل قطرة ماء تنحت الصخر.
وفي الأيام التالية، كان يوسف يكرر الفكرة باستمرار.
حتى بدأت تبدو وكأنها الحل الوحيد.
الحل الذي سيغير حياتها كلها.
إلى الأبد.
وفي تلك اللحظة…
لم تكن فاطمة تعلم أنها تقف على أعتاب القرار الذي ستدفع ثمنه سنوات طويلة من عمرها.
قرار سيأخذها بعيدًا عن وطنها وأهلها…
ويبدأ رحلة الغربة الكبرى.
نهاية الفصل الثالت


