الفصل الأول: بداية الحكاية كانت شمس أكتوبر الدافئة تملأ ساحة الجامعة، والطلاب يتنقلون بين المدرجات وهموم الدراسة تسبقهم بخطوات. كانت فاطمة تسير مسرعة وهي تحتضن كتبها بين ذراعيها. فتاة في العشرين من عمرها، هادئة الطباع، متفوقة في دراستها، تربت في بيت محافظ تعلمت فيه أن الأخلاق قبل كل شيء. وفي أثناء صعودها درجات مبنى الكلية، اصطدمت بأحد الطلاب. تناثرت الكتب من يدها على الأرض. انحنى الشاب بسرعة يساعدها وهو يقول بابتسامة مرتبكة: ـ أنا آسف جدًا... والله ما كنت واخد بالي. رفعت فاطمة عينيها إليه للحظة ثم أسرعت تجمع كتبها. ـ حصل خير. لكنها لاحظت شيئًا غريبًا. لهجته لم تكن مصرية خالصة. كان يتحدث العربية بطلاقة، لكن بنبرة مختلفة قليلًا. ناولها آخر كتاب وقال: ـ اسمي يوسف. اكتفت بهزة خفيفة من رأسها وغادرت. ظنت أن الأمر انتهى عند هذا الحد. لكن القدر كان يخطط لشيء آخر. بعد أيام قليلة، فوجئت به يجلس في الصف المجاور لها داخل المحاضرة. ومع مرور الأسابيع، بدأت تجمعهما مشاريع الدراسة والأبحاث الجماعية. اكتشفت أنه شاب ذكي ومتفوق ويحمل أحلامًا كبيرة. وكان يوسف بدوره ينجذب أكثر فأكثر إلى هدوئها ورزانتها. في البداية كانت أحاديثهما تدور حول الدراسة فقط. ثم تحولت إلى أحاديث عن الأحلام والمستقبل. ثم عن الحياة نفسها. شيئًا فشيئًا أصبح وجود أحدهما جزءًا من يوم الآخر. إذا غابت فاطمة عن الجامعة شعر يوسف أن اليوم ناقص. وإذا لم تره فاطمة كانت تجد نفسها تبحث عنه بين الوجوه دون أن تشعر. في إحدى الأمسيات كانا يجلسان داخل مكتبة الجامعة. قال يوسف وهو يغلق كتابه: ـ عمرك فكرتي تكملي دراستك برا مصر؟ ابتسمت فاطمة. ـ نفسي أكمل ماجستير... بس كل حاجة بإيد ربنا. نظر إليها مطولًا. ثم قال بصوت منخفض: ـ وأنا نفسي أكون جزء من مستقبلك. تسارعت دقات قلبها. وحاولت التظاهر بالانشغال في الكتاب. لكنها لم تستطع منع ابتسامتها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أي منهما قادرًا على إنكار الحقيقة. لقد وقع كل منهما في حب الآخر. كانت فاطمة تعلم أن أهلها لن يقبلوا بسهولة أي علاقة قبل الزواج. لذلك أخفت الأمر عن الجميع. حتى صديقاتها المقربات لم يعرفن شيئًا. أما يوسف فكان يحرص على ألا يراهما أحد معًا خارج أسوار الجامعة. كانا يلتقيان في المكتبة أو ساحة الكلية فقط. ويتحدثان عبر الهاتف لساعات طويلة بعد عودتهما إلى المنزل. كل واحد منهما يعيش على صوت الآخر. ويحلم باليوم الذي يجمعهما تحت سقف واحد. مرت الشهور. وكبر الحب. وأصبح الحديث عن الزواج يتكرر كثيرًا بينهما. قالت له ذات يوم: ـ لو بابا رفض؟ أجاب بثقة: ـ هفضل أحاول لحد ما يوافق. ـ ولو ما وافقش؟ اقترب منها بنظراته وقال: ـ مستحيل أسيبك يا فاطمة. شعرت يومها بالأمان. وصدقت كل كلمة قالها. لم تكن تعلم أن الطريق أمامهما مليء بالعقبات. وأن السر الذي يخفيه يوسف سيقلب حياتهما رأسًا على عقب. سر لم تكن تعرفه بعد. لكن الأيام كانت تقترب من كشفه. وعندما يُكشف... لن تبقى حياتهما كما كانت أبدًا. ::: الفصل الثاني: صدمة الحقيقة مرت سنة كاملة على قصة الحب التي جمعت فاطمة ويوسف. سنة من الأحلام والوعود والكلمات الجميلة. كانت فاطمة ترى فيه شريك حياتها الذي ستكمل معه الطريق، وكان هو يزداد تعلقًا بها يومًا بعد يوم. وفي أحد الأيام، بينما كانا يجلسان في حديقة الجامعة يتحدثان عن المستقبل، قالت له بابتسامة: ـ تخيل لما نيجي نتجوز ونعمل بيت صغير لينا. ابتسم يوسف. لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة. بدا وكأنه يخفي شيئًا. لاحظت فاطمة ذلك فسألته: ـ مالك؟ تنهد يوسف طويلًا. ـ في حاجة لازم تعرفيها. شعرت بانقباض غريب في قلبها. ـ حاجة إيه؟ صمت للحظات. ثم قال: ـ أنا مش مسلم. تجمدت ملامحها فجأة. كأن الزمن توقف حولها. حدقت فيه غير مصدقة ما سمعته. ـ إنت بتقول إيه؟ خفض رأسه وقال: ـ أنا مسيحي. ظلت تنظر إليه في ذهول. كانت تتوقع أي شيء إلا هذا. قالت بصوت مرتجف: ـ يعني إيه مسيحي؟! ـ يعني ديانتي مسيحية. ـ وإنت مخبيت عليا كل المدة دي؟ ـ كنت خايف أخسرك. شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها. قامت من مكانها وهي تحاول استيعاب الأمر. كل شيء تغير في لحظة. كل الأحلام التي بنتها في خيالها بدأت تتهاوى. قالت بغضب: ـ ليه مقولتليش من الأول؟ ـ كنت بحبك. ـ الحب مش مبرر للكذب يا يوسف. ـ والله ما كنت بقصد أخدعك. ـ بس خدعتني فعلًا. عادت فاطمة إلى منزلها ذلك اليوم وقلبها مثقل بالحزن. دخلت غرفتها وأغلقت الباب. ثم انهارت في البكاء. كانت تعلم جيدًا أن أسرتها لن توافق أبدًا على هذا الزواج. بل إنها هي نفسها لم تكن تعرف ماذا تفعل. ظلت طوال الليل تفكر. هل تنهي العلاقة؟ هل تنسحب قبل أن تتورط أكثر؟ أم تتمسك بالرجل الذي أحبته من كل قلبها؟ في اليوم التالي حاول يوسف الاتصال بها عشرات المرات. لكنها لم ترد. وظلت تتجنبه أسبوعًا كاملًا. إلى أن فاجأها بانتظارها أمام بوابة الجامعة. قال فور أن رآها: ـ لازم نتكلم. ـ مفيش كلام. ـ اسمعيني بس. ـ قولت مفيش. ـ أنا بحبك يا فاطمة. توقفت خطواتها. أكمل وهو ينظر في عينيها: ـ الدين عمره ما هيمنعني أحبك. ـ لكنه هيمنع حاجات كتير. ـ إحنا نقدر نتخطى أي حاجة. ـ إنت مش فاهم. ـ فاهم كويس. ـ لا... إنت مش فاهم إني ممكن أخسر أهلي كلهم. سكت يوسف. ثم قال: ـ وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض. مرت الأيام. وعادت الاتصالات بينهما. لكن شيئًا ما تغير داخل فاطمة. لم تعد تتحدث بحماس الماضي. ولم تعد أحلامها واضحة كما كانت. كان الخوف يتسلل إلى قلبها في كل مرة تفكر فيها بالمستقبل. وفي إحدى الليالي سألته: ـ لو اتجوزنا... أولادنا هيبقوا إيه؟ ساد الصمت للحظات. ثم أجاب: ـ لما يكبروا يختاروا بنفسهم. ـ يعني مش هتفرض عليهم دينك؟ ـ أبدًا. ـ متأكد؟ ـ أوعدك. كانت تلك الكلمة هي ما احتاجت لسماعه. "أوعدك." تمسكت بها كالغريق الذي يتعلق بقشة. ولم تكن تعلم أن هذا الوعد سيصبح بعد سنوات أكبر جرح في حياتها. وفي الجانب الآخر، كانت هناك عاصفة تقترب. فقد بدأت والدة فاطمة تلاحظ تغير ابنتها. كثرة شرودها. ابتسامتها المفاجئة أحيانًا. وإخفاء هاتفها باستمرار. وبدأت الشكوك تتسلل إلى قلب الأم. أما فاطمة... فلم تكن تعرف أن الأيام القادمة ستحمل لها مواجهة أصعب بكثير من اكتشاف الحقيقة. مواجهة مع أسرتها كلها. مواجهة ستضعها بين خيارين لا ثالث لهما: إما حبها... أو أهلها. الفصل الثالث: الرفض لم تستطع فاطمة أن تخفي الأمر طويلًا. فالأسرار مهما طال عمرها، يأتي يوم وتنكشف. وفي مساء أحد الأيام، كانت تجلس في غرفتها تتحدث مع يوسف عبر الهاتف. كانت أمها تمر بجوار الباب عندما سمعت اسمًا يتكرر أكثر من مرة. توقفت. أنصتت قليلًا. ثم سمعت ابنتها تقول بصوت خافت: ـ أنا خايفة يا يوسف... ارتبكت الأم. فاطمة لم تكن معتادة على الحديث مع أي شاب. انتظرت حتى أغلقت المكالمة. ثم دخلت الغرفة فجأة. فوجئت فاطمة بها أمامها. ـ كنتي بتكلمي مين؟ ارتبكت. ـ زميلة في الجامعة. نظرت إليها أمها طويلًا. ـ بصي في عيني وقوليها تاني. خفضت فاطمة رأسها. وفي تلك اللحظة فهمت الأم كل شيء. لم يمر وقت طويل حتى عرف الأب. وكان رجلًا صارمًا يحظى باحترام الجميع. جلس في الصالة ينتظر عودة ابنته من الجامعة. وعندما دخلت، وجدته جالسًا بصمت مخيف. قال بهدوء: ـ اقعدي. جلست وقلبها يرتجف. سألها مباشرة: ـ مين يوسف؟ شحب وجهها. لم تستطع الرد. فعرف أنها الحقيقة. ضرب بيده على الطاولة بقوة. ـ من إمتى وإنتي بتكلمي شباب من ورا أهل بيتك؟ بدأت دموعها تنزل. ـ يا بابا اسمعني بس... ـ مفيش حاجة أسمعها. ـ أنا بحبه. ساد الصمت. ثم وقف الأب فجأة. وكأن الكلمة كانت صفعة تلقاها على وجهه. ـ بتحبيه؟ ـ أيوه. ـ وإنتي ناسية تربيتك؟ ـ لا يا بابا. ـ يبقى إزاي تعملي كده؟ حاولت أمها التدخل. لكن الأب كان في قمة غضبه. بعد ساعات طويلة من النقاش والصراخ والبكاء، جاءت الضربة الأكبر. قال الأب: ـ الشاب ده دينه إيه؟ سكتت فاطمة. شعر الأب بالخطر. ـ ردي. ـ مسيحي. ساد صمت ثقيل. كأن البيت كله توقف عن التنفس. جلست الأم مكانها مذهولة. وأخذ الأب يحدق في ابنته غير مصدق. ثم قال بصوت منخفض لكنه مرعب: ـ إنتي فقدتي عقلك؟ تحولت الأيام التالية إلى معركة يومية. الأب يرفض مجرد سماع اسم يوسف. والأم تبكي خوفًا على ابنتها. والإخوة يشعرون بالخزي أمام الناس. أما فاطمة فكانت تعيش بين نارين. حبها من جهة. وأسرتها من جهة أخرى. في إحدى الليالي دخلت عليها أمها. جلست بجوارها على السرير. ومسحت دموعها. ثم قالت: ـ يا بنتي... الحب مش كل حاجة. بكت فاطمة. ـ أنا مش قادرة أبعد عنه. ـ وهتقدري تبعدي عن أهلك؟ سكتت. ـ هتقدري تعيشي من غير أمك وأبوك؟ ازدادت دموعها. ـ يا ماما أنا بحبه. ـ وأنا بحبك أكتر من نفسي... وعشان كده خايفة عليكي. في اليوم التالي طلب الأب مقابلة يوسف. وافق يوسف فورًا. وكان يظن أن الأمر سيكون مجرد حديث عقلاني. لكنه لم يكن يعرف طبيعة الأب. جلس الرجلان في غرفة الضيوف. الأب ينظر إليه ببرود. ويوسف يحاول الحفاظ على هدوئه. قال الأب: ـ أنت عايز تتجوز بنتي؟ ـ أيوه. ـ وتفتكر إني هوافق؟ ـ أنا بحبها وهحافظ عليها. ابتسم الأب بسخرية. ـ الحب وحده مش كفاية. ـ أنا مستعد أعمل أي حاجة. ـ إلا إنك تغير دينك. ساد الصمت. فهم يوسف أن الباب مغلق. قال الأب بحزم: ـ اسمعني كويس... بنتي عمرها ما هتتجوزك. وقف يوسف ببطء. ثم قال: ـ وأنا عمري ما هسيبها. خرج من البيت وقلبه مشتعل. واتصل بفاطمة فورًا. ـ أبوكي مستحيل يوافق. بكت. ـ كنت عارفة. ـ لازم نفكر في حل. ـ أي حل؟ صمت للحظات. ثم قال: ـ نسافر. ارتجف قلبها. ـ نسافر؟ ـ نبدأ حياة جديدة بعيد عن كل الضغوط دي. ـ وأهلي؟ ـ هيهدوا مع الوقت. ـ مستحيل. ـ لو فضلنا مستنيين موافقتهم هنضيع بعض. أغلقت الهاتف تلك الليلة وهي لا تعرف ماذا تفعل. لكن فكرة السفر بدأت تتسلل إلى عقلها. ببطء. مثل قطرة ماء تنحت الصخر. وفي الأيام التالية، كان يوسف يكرر الفكرة باستمرار. حتى بدأت تبدو وكأنها الحل الوحيد. الحل الذي سيغير حياتها كلها. إلى الأبد. وفي تلك اللحظة... لم تكن فاطمة تعلم أنها تقف على أعتاب القرار الذي ستدفع ثمنه سنوات طويلة من عمرها. قرار سيأخذها بعيدًا عن وطنها وأهلها... ويبدأ رحلة الغربة الكبرى. نهاية الفصل الثالت الفصل الرابع: القرار المصيري لم تنم فاطمة تلك الليلة. ظلت مستلقية على سريرها تحدق في سقف الغرفة المظلم. كانت كلمات يوسف تدور في رأسها بلا توقف. "نسافر." كلمة واحدة فقط. لكنها كانت كفيلة بأن تقلب حياتها رأسًا على عقب. كيف تترك بيتها؟ كيف تترك أمها التي سهرت على تربيتها؟ كيف تترك أباها الذي كان يعتبرها قطعة من قلبه؟ لكن في المقابل... كيف تعيش بدون يوسف؟ كانت تشعر وكأنها تقف بين طريقين. وكلاهما مؤلم. في الأيام التالية أصبحت حياتها سلسلة من المشاحنات داخل البيت. الأب يراقبها. والأم تحاول إقناعها بالابتعاد عن يوسف. والإخوة يرفضون الحديث معها. حتى البيت الذي كان يومًا مصدر أمانها أصبح سجنًا كبيرًا. وفي كل مرة كانت تضعف، كان يوسف يعود ليزرع الأمل داخلها. ـ إحنا بنحب بعض. ـ الحب مش كفاية. ـ يبقى نتمسك بيه أكتر. ـ وأهلي؟ ـ هيغفروا لكِ مع الوقت. ـ ولو مغفروش؟ ـ هبقى أنا عيلتك. كانت تتعلق بهذه الكلمات. وتصدقها. لأن قلبها كان يريد تصديقها. بعد شهرين أخبرها يوسف أنه حصل على فرصة عمل في إحدى الدول الأوروبية. كان يتحدث بحماس شديد. ـ دي فرصتنا. ـ فرصة إيه؟ ـ نبدأ حياتنا من جديد. ـ بعيد عن أهلي؟ ـ بعيد عن المشاكل كلها. ظلت صامتة. فأمسك يدها وقال: ـ فاطمة... لو سبنا بعض دلوقتي هنندم العمر كله. كانت دموعها تنزل بصمت. قال: ـ أنا مستعد أحارب الدنيا كلها عشانك. فلمعت عيناها. ولأول مرة بدأت تستسلم للفكرة. وفي مساء يوم خريفي هادئ، اتخذت القرار. القرار الذي سيغير كل شيء. وافقت على السفر. عندما علم والدها بالأمر، اشتعل البيت غضبًا. وقف أمامها وهو يكاد يختنق من القهر. ـ يعني هتسيبي بيتك وتمشي؟ بتحبي مسيحي لادبنك ولا دينه يسمح بالجواز دا هتجوز ازايـ أنا بسألك! فاطمه وهي تنظر للأرض جواز مدني ـ يا بابا... ـ ـ أنا بحبه. نظر إليها وكأنها شخص لا يعرفه. ـ الحب خلاكي تبيعي دينك و أهلك و؟ انفجرت بالبكاء. ـ والله ما قصدي. ـ يبقى اقعدي في بيتك. ـ مقدرش. سقطت أمها على المقعد وهي تبكي بحرقة. وقالت: ـ متكسريش قلبي يا بنتي. كانت تلك أصعب لحظة مرت بها فاطمة في حياتها. لكنها كانت قد حسمت أمرها. أو هكذا ظنت. في صباح السفر. استيقظت قبل الجميع. وقفت تتأمل جدران غرفتها. الصور القديمة. كتب المدرسة. ملابسها. الذكريات التي عاشت بينها سنوات طويلة. لم تتمالك نفسها. وانفجرت في البكاء. كانت تشعر وكأنها تودع عمرًا كاملًا. عند باب المنزل وقفت أمها. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء. اقتربت فاطمة لتقبل يدها. لكن الأم سحبت يدها وهي تبكي. وقالت: ـ ربنا يهديكي. شعرت فاطمة وكأن سك..ينًا انغرس في قلبها. ثم نظرت إلى أبيها. كان يقف بعيدًا. صامتًا. لم يتكلم. ولم يودعها. فهذا الصمت كان أشد ألمًا من ألف كلمة. غادرت المنزل. وركبت السيارة بجوار يوسف. كانت الدموع لا تتوقف. أما يوسف فكان يحاول طمأنتها. ـ كل حاجة هتبقى كويسة. نظرت من نافذة السيارة. وشاهدت بيتها يبتعد شيئًا فشيئًا. حتى اختفى تمامًا. وفي تلك اللحظة شعرت لأول مرة بحجم ما فعلته. لكن الوقت كان قد فات. بعد ساعات طويلة من السفر، هبطت الطائرة في البلد الجديد. مدينة كبيرة. شوارع واسعة. وجوه غريبة. ولغة لا تفهم منها شيئًا. تمسكت بذراع يوسف وكأنها تتمسك بالشيء الوحيد الذي تبقى لها في الدنيا. ابتسم لها وقال: ـ من النهارده هنبدأ حياتنا الجديدة. ابتسمت رغم خوفها. ولم تكن تعلم أن الحياة الجديدة التي تحلم بها ستخفي خلف أبوابها اختبارات أصعب مما تتخيل. بعد أسابيع قليلة تم عقد زواجهما المدني. وقفا أمام الموظف الحكومي. وقع كل منهما الأوراق. ثم أعلِن رسميًا أنهما أصبحا زوجًا وزوجة. نظر إليها يوسف مبتسمًا. وقال: ـ أخيرًا بقينا مع بعض. ابتسمت له. لكن في أعماق قلبها كان هناك صوت خافت يسأل: هل انتهت المعركة؟ أم أنها بدأت للتو؟ نهاية الفصل الرابع الفصل الخامس: سنوات الغربة في الأيام الأولى بعد الزواج، كانت فاطمة تشعر وكأنها تعيش حلمًا جميلًا. مدينة جديدة. بيت صغير يجمعها بيوسف. ولا أحد يعترض على وجودهما معًا. كانت تردد لنفسها كل ليلة: "كل اللي ضحيّت بيه هيبقى له معنى." وكان يوسف يبذل جهدًا كبيرًا ليجعلها سعيدة. يأخذها في نزهات نهاية الأسبوع. ويعرفها على الأماكن الجميلة في المدينة. ويشتري لها الهدايا في المناسبات. ولأول مرة منذ فترة طويلة بدأت تشعر بالراحة. لكن الغربة ليست سهلة. فكلما مر الوقت، بدأت تكتشف الوجه الآخر للحياة الجديدة. كانت تستيقظ أحيانًا وتبكي دون سبب. تشتاق لرائحة بيتهم القديم. لصوت أمها. لجلسات العائلة في رمضان. لصوت الأذان الذي كانت تسمعه من نافذة غرفتها كل يوم. أما هنا... فكل شيء مختلف. اللغة مختلفة. العادات مختلفة. والوجوه كلها غريبة. في إحدى الليالي جلست تبكي بصمت. لاحظ يوسف حزنها. جلس بجوارها وسألها: ـ وحشك البيت؟ هزت رأسها. ـ أوي. ضمها إليه وقال: ـ مع الوقت هتتعودي. ابتسمت له محاولة إخفاء ألمها. لكنها في أعماقها كانت تعلم أن بعض الأشياء لا يعتاد الإنسان غيابها أبدًا. ومرت السنوات. ورزقهما الله بطفل جميل. أطلقت عليه فاطمة اسم "عمر". كانت تحتضنه وكأنه تعويض من الله عن كل ما فقدته. وبعد ثلاث سنوات رزقا بطفلة جميلة أسمتها "مريم". وأصبح البيت مليئًا بالحياة. كرست فاطمة حياتها لطفليها. كانت تحكي لهما قصص الأنبياء قبل النوم. وتعلمهما الكلمات العربية. وتحرص على أن يعرفا جذورهما المصرية. وكانت تقول دائمًا: ـ مهما كبرتم... متنسوش أنكم من بلد اسمها مصر. فيضحكان ويقبلانها. أما يوسف فكان أبًا حنونًا. يلعب معهما كثيرًا. ويأخذهما إلى الحدائق والمتاحف. وكان الأطفال متعلقين به بشدة. في البداية شعرت فاطمة بالسعادة وهي ترى أسرتها الصغيرة تكبر أمام عينيها. لكن شيئًا فشيئًا بدأت تلاحظ أمورًا لم تنتبه لها من قبل. في أحد الأيام عاد عمر من الخارج وهو يحمل كتابًا مصورًا. سألته: ـ الكتاب ده منين؟ ـ بابا جابهولي. فتحت الكتاب. فاكتشفت أنه يتحدث عن العقيدة المسيحية للأطفال. توقفت للحظة. ثم أغلقت الكتاب بهدوء. وقالت لنفسها: "أكيد مجرد تعريف." فقد كانت ما تزال تتذكر وعد يوسف القديم. "الأولاد هيختاروا بنفسهم لما يكبروا." لكن الأيام التالية حملت مفاجآت أخرى. ذات صباح دخلت غرفة عمر لتوقظه. فوجدته يردد كلمات لم تعلمه هي إياها. سألته: ـ مين علمك الكلام ده؟ أجاب ببراءة: ـ بابا. شعرت بانقباض داخل قلبها. لكنه كان انقباضًا صغيرًا. لم تكن تعلم أنه بداية عاصفة كبيرة. ومع مرور الوقت بدأ يوسف يأخذ الطفلين معه كل يوم أحد. كانت تسأله: ـ رايحين فين؟ فيجيب: ـ يتمشوا معايا شوية. لكنها اكتشفت لاحقًا أنه يأخذهما إلى الكنيسة بانتظام. عادت إلى البيت يومها وقلبها مليء بالقلق. وعندما عاد يوسف واجهته لأول مرة. ـ أنت بتودي الأولاد الكنيسة؟ نظر إليها بهدوء. ـ أيوه. ـ ليه؟ ـ عشان يتعرفوا على ديني. ـ وإحنا متفقناش على كده. ـ متفقنا إنهم يعرفوا الحقيقتين. ـ مش إنك تربيهم على دين واحد. ابتسم ابتسامة خفيفة. وقال: ـ متكبريش الموضوع. لكن فاطمة لم تستطع تجاهل شعورها. كان هناك شيء يتغير. شيء لم تفهم حجمه بعد. في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، وقفت أمام النافذة. تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة. وتتذكر يوم قال لها يوسف: "لما يكبروا هيختاروا بنفسهم." ابتسمت بحزن. ثم همست لنفسها: ـ يا رب... احفظ أولادي. ولم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستكشف لها حقيقة صادمة. حقيقة ستجعلها تشعر أنها لا تخسر أبناءها فقط... بل تخسر الوعد الذي بنت عليه حياتها كلها. نهاية الفصل الخامس