مني السيد 4


## الفصل الخامس والأخير
الأوضة كلها اتسمّرت مكانها، ومابقاش مسموع فيها غير صوت جهاز ضربات القلب اللي شغال بانتظام. الكلمة طلعت من بق أحمد زي الرصاصة اللي صابت الكل في مق*تل. الحاجة فوزية فضلت باصة لابنها وبقها مفتوح من الصدمة، إيدها اللي كانت لسه شداها من على سريره فضلت متعلقة في الهوا، ووشها جاب مية لون.
شريف أخوه برّق عينيه وخطا خطوة لقدام:
— “أنت بتقول إيه يا أحمد؟ أنتي واعي للكلام اللي بتقوله ده؟ دي أمك! وإحنا إخواتك اللي واقفين في ضهرك!”
أحمد غمض عينيه ثواني، كأنه بيستجمع كل طاقته اللي باقية في جسمه المكسر، وبعدين فتحهم وبص لشريف بنظرة ميتة:
— “واعي يا شريف.. واعي لأول مرة في حياتي. أمي على عيني وراسي، بس بره حياتي وبيتي. أخرجوا بره.. مش عايز نكد، ومش عايز حد فيكم يرمي كلمة على مراتي تاني. نهى هي الوحيدة اللي شيلاني وهي الوحيدة اللي باقية ليا.. أخرجوا.”
الحاجة فوزية صرخت صرخة مكتومة، وحطت إيدها على صدرها وعملت نفسها هتقع، فمراتات إخواته جريوا عليها وسندوها وهما بيبصوا لنهى ونظراتهم كلها غل، كأنهم بيقولوا “شفتي الحرباية عملت في الراجل إيه؟”.
خرجوا كلهم من الأوضة، وشريف رزع الباب وراه برعشة غضب. الأوضة رجعت هادية تاني. بصيت لأحمد، ولقيت دموعه نازلة على الشاش اللي مغطي جروح وشه. مكنتش عارفة أقول إيه.. هل أفرح لإني انتصرت؟ ولا أزعل على الراجل اللي اضطر يكسر قلبه وأمه عشان يحمي بيته؟
قربت منه، وقعدت على طرف السرير بالراحة عشان متوجعوش، وطلعت منديل ومسحت دموعه.
— “مكانش لازم تعمل كده يا أحمد.. مكانش لازم تطرد أمك قدام إخواتك، مهما كان اللي حصل بره.”
أحمد مسك كف إيدي بإيده الشمال السليمة، وضغط عليها بكل قوته، وصوته طلع مخنوق بالبكاء:
— “لو مكنتش عملت كده النهاردة يا نهى، مكنتش هبقى راجل في نظرك تاني.. ومكنتش هعرف أبص في وش يوسف وملك. أنا وأنا بالعربية بتتقلب بيا في الترعة، وشوفت الموت بعيني، م جاش في بالي شكل أمي ولا كلام إخواتي.. أنا ماشوفتش غير وشك أنتي والعيال، وافتكرت يوم ما سبتيني وخرجتي بالشنطة في نص الليل وأنا بضحك وبصورك.. حسيت بـ رخص نفسي قوي يا نهى. أنا عيشت طول عمري فاكر إن طاعة أمي معناه إني أدوس عليكي، لحد ما فوقت على حقيقة إني كنت بضيع اللقمة النظيفة والست الأصيلة اللي مفيش منها.”
سكتت، ومسكت إيده هي كمان. في اللحظة دي، حسيت إن جبل الثلج اللي كان بيني وبينه بدأ يسيح. الجواز مش عناد، وطالما الراجل خد الموقف اللي يرجعلي كرامتي قدام الدنيا كلها، يبقى حقه عليا إني أقف جنبه في محنته.
قعدت مع أحمد في المستشفى أربعة أيام كاملين. مكنتش بسيبه لحظة. كنت بنزل بنفسي أجيب له الأكل النظيف، وبساعد الممرضة في غيار الجروح، وبكلم الدكتور وأتابع حالته خطوة بخطوة. أبويا كان بيجيب العيال يقعدوا معاه ساعة كل يوم ويرجعوا بيهم عشان يوسف وملك ما يتخضوش من منظر المستشفى.
طول الأربعة أيام دول، محدش من عيلته عتب باب الأوضة. شريف كلم أحمد مرة واحدة على التليفون يطمن عليه ويسأله لو محتاج فلوس، بس أحمد رد عليه بـ “شكراً يا شريف، مستورة”، وقفل السكة. الحاجة فوزية كانت واخدة موقف “الأم الغضبانة”، وفاكرة إن أحمد لما يخرج من المستشفى ويروح بيته هيلاقي نفسه لوحده وهيحن لحضنها.. بس هي مكنتش تعرف إن أحمد مابقاش لوحده.
يوم الخروج، أحمد ركب الكرسي المتحرك لحد ما وصلنا للتاكسي. رجعنا شقتنا الجديدة. أول ما فتحت الباب، يوسف وملك كانوا مجهزين زينة صغيرة وعاملين كارت كاتبين فيه “حمد الله على السلامة يا بابا”.
أحمد أول ما شاف المنظر ده، دمع، وحضنهم بإيده السليمة وهو بيقول:
— “ربنا يخليكم ليا.. أنتوا بيتي الحقيقي.”
الشهور جرت بعد الحادثة، وأحمد بدأ يتعافى بالتدريج. الجبس اتفك، والجروح اللي في وشه بدأت تروح، ورجع شغله تاني. بس التغيير الحقيقي مكنش في جسمه.. التغيير كان في طبعه.
أحمد مابقاش الراجل العصبي، ولا الراجل اللي بيدخل البيت يدور على الغلطة. بقى يدخل وفي إيده طلبات البيت من غير ما أطلب، يقعد مع يوسف يذاكر له، ويلعب مع ملك. والأهم من ده كله.. مابقاش يجيب سيرة أمه أو عيلته بنكد.
وفي يوم، وأنا قاعدة في الصالة براجع ميزانية الشركة الجديدة على اللاب توب بتاعي — لإن المدير أستاذ رأفت رقاني وبقيت رئيسة قسم الحسابات بمرتب محترم — أحمد جه وقعد جنبي وحط كباية شاي قدامي.
— “مبروك الترقية يا باشمهندسة.. أنا فخور بيكي قوي يا نهى.”
بصيت له وابتسمت:
— “الله يبارك فيك يا أحمد.. عقبالك.”
أحمد خد نفس طويل وبص للشارع من البلكونة وقال:
— “نهى.. أنا عايز أطلب منك طلب، وأنتي ليكي كامل الحرية توافقي أو ترفضي.”
قلبي نقح عليا، وقلت بنبرة حذرة:
— “طلب إيه يا أحمد؟”
— “أمي.. الحاجة فوزية.” أحمد قالها وصوته واطي. “شريف كلمني الصبح.. أمي جالها جلطة خفيفة في رجلها، ومبقتش تقدر تتحرك زي الأول. ومراتات إخواتي رافضين يقعدوا معاها أو يخدموها، وشريف بيقول إنها بتقعد تعيط طول اليوم وتقول ‘فين نهى اللي كانت بتستحملني وتوديني للدكاترة’.. أنا مش بطلب منك تروحي تخدميها يا نهى، ولا بطلب منك تسامحيها.. أنا بس بطلب إذنك إني أروح أقعد معاها ساعتين كل يوم بعد الشغل، أعملها طلباتها وأشوف محتاجا إيه.. هي في الأول والآخر أمي، وأنا خايف أموت وهي غضبانة عليا.”
بصيت لأحمد بتمعن. اللحظة دي كانت اختبار ليا أنا كمان. هل هكون الست المنتقمة اللي هتقول له “لأ، سيبها تدوق اللي عملته فيا”؟ ولا هكون نهى اللي أبوها رباها على الأصول والرحمة؟
نزلت اللاب توب من على رجلي، ومسكت إيد أحمد وقلتله بنبرة هادية وفيا كل طاقة السلام اللي في الدنيا:
— “يا أحمد.. أنا عمري ما منعتك عن أمك، ولا همنعك. روح يا حبيبي، بر أمك وشيلها في عياها، وده واجبك قدام ربنا قبل ما يكون قدام الناس. أنا مش شايلا منها حاجة، ربنا يسامح الجميع.. بس أنا مش هقدر أروح معاك، ورجلي مش هتعتب هناك، مش كره.. بس عشان نحافظ على الشوية الباقيين من سلامنا النفسي. خد العيال معاك مرة في الأسبوع يسلموا على جدتهم، هما ملهمش ذنب.”
أحمد بصلي وباس إيدي وعينيه مليانة دموع:
— “أنتي ست أصيلة يا نهى.. ومفيش منك. ربنا يخليكي ليا ولعيالنا.”
من اليوم ده، أحمد بقى يروح لأمه كل يوم، يطمن عليها ويجيب لها طلباتها ويرجع بيته مرتاح ومبسوط. الست فوزية لما شافت إن ابنها مابيعصاش كلام مراته بـ قلة الأصل، وإن مراته هي اللي سمحت له يروح يبرها وهي في عز مرضها، فهمت الدرس كويس. عرفت إن نهى مكنتش ضعيفة، وإن القوة الحقيقية هي القوة اللي معاها رحمة وأصول.
مراتات إخواته اللي كانوا بيشمتوا فيا زمان، بقوا يكلموني في التليفون ويقولوا لي “يا بختك يا نهى.. عرفتي تكسبي جوزك وتعملي لنفسك بيت مستقل وكرامة محدش يقدر يهزها”. كنت برد عليهم بأدب وبقفل السكة، لإن كلام الناس مابقاش يقدمني ولا يأخرني.
وفي يوم جمعة.. نفس اليوم اللي شهد على كسرتي من سنة كاملة.. صحيت الصبح الساعة تسعة. الشمس كانت مالية الصالة، وريحة البخور مغرقة الشقة.
دخلت المطبخ، مكنش فيه كركبة، ومكنتش صاحية من الساعة خمسة الفجر أعمل عزومات لحد. كنت واقفة بعمل فطار رايق.. فوت مدمس بالزيت الحار، وبيض عيون، وجبنة قريش بالطماطم، وعيش سخن.
أحمد دخل المطبخ، وكان لابس جلابية بيضاء عشان صلاة الجمعة، ويوسف وملك وراه لابس حتة على الحبل وجاهزين للصلاة مع أبوهم.
أحمد بص للسفرة وابتسم:
— “الله.. إيه الفطار الجميل ده يا أم يوسف؟”
يوسف جري عليا وحضني:
— “تسلم إيدك يا أحلى ماما في الدنيا.”
قعدنا كلنا حوالين السفرة، وبدأنا ناكل في وسط ضحك العيال وسوالف أحمد. بصيت لـ إيدي، للحرق الصغير اللي كان في معصمي من صوص البشاميل السخن.. الحرق مابقاش بيوجع، بقى مجرد علامة صغيرة بتفكرني باليوم اللي اتولدت فيه من جديد.
غمس أحمد لقمة وداقها، وبصلي وابتسم بابتسامة كلها حب واحترام وقال:
— “الأكل طعمه زي السكر يا نهى.. دافي، زي قلبك بالظبط.”
ابتسمت، وبصيت لعيالي وبصيت لبيتي الجديد، وحمدت ربنا من كل قلبي. الست اللي كانت بتسكت وتعتذر وتكمل خدمة عشان المركب تمشي.. وقفت. ولما وقفت، مش بس حمت نفسها.. دي حمت عيلتها وبنت بيتها على أساس متين مفيش صدمة في الدنيا تقدر تهده تاني.
والحقيقة اللي قعدت على السفرة زمان وفضحت الكل، النهاردة هي اللي منورة بيتنا.. حقيقة إن الكرامة هي اللي بتحمي الحب، وإن الست اللي بتعرف قيمة نفسها، الدنيا كلها بتعمل لها ألف حساب.
**تمت بحمد الله**



