حكاية كامله

أبي.
قال إن أبي أعطاه أوراقًا وشاحنة، وطلب منه أن يذهب إلى نقطة على الطريق. ثم اكتشف أن كل شيء كان مدبّرًا… أن الحريق كان مقصودًا… وأن الجثة والأغراض وُضعت عمدًا.
وحين حاول التراجع…
كان أبي هناك.
قال له:
“الأمر انتهى… أمامك خياران: تساعدني… أو تكون التالي.”
توقّف نفسي.
“تساعده بماذا؟”
“بالصمت.”
ابتعدتُ عنه:
“لا… أبي لا يمكن أن…”
قال ببرود:
“بل يمكن.”
ثم أخبرني…
أن الأمر لم يكن تجارة عادية.
مخازن… شحن… بضائع… أموال…
ومن يعرف أكثر من اللازم… يختفي.
قال إنه وجد دفترًا… فيه أسماء وتواريخ.
أراد مواجهته…
وكان ذلك أكبر خطأ.
في تلك الليلة… أخذه رجال أبي.
نقلوه… حتى تمكّن من الهرب.
“وعشت كل هذه السنوات مختبئًا؟”
“عدت مرتين.”
“متى؟”
“بعد سنة… ورأيت المنزل… وسياراتهم أمامه. فهمت الرسالة.”
“والمرة الثانية؟”
“يوم تخرجك.”
لم أستطع الكلام.
“لماذا الآن؟”
نظر إلى الجدار:
“لأنني سمعت شيئًا.”
“ماذا؟”
قال بصوت منخفض:
“أن أمي… لم تعد آمنة.”
تجمّدت:
“ماذا يعني هذا؟”
“أبوك يظن أنها قد تتكلم… وهو لا يخاطر.”
ثم قال:
“سمعته يقول: يجب أن ننهي الأمر قبل أن تفضحنا.”
وقفت فجأة:
“نذهب إليها الآن!”
هزّ رأسه:
“ليس بهذه الطريقة.”
“إذًا كيف؟”
فتح الدفتر:
“غدًا… تذهب إلى المقبرة في أم درمان.”
نظرتُ إليه بدهشة،
وعيناي تفتشان في ملامحه عن أي أثرٍ للشك:
“كيف تعرف؟”
تنفّس ببطء، وكأنّه يسترجع تفاصيل محفورة في ذاكرته لا يمكن محوها، ثم قال بثبات:
“في السادس عشر من كل شهر… دائمًا.”
ارتجف شيءٌ داخلي.
كان محقًا.
أمي… لم تُخطئ يومًا هذا الموعد.
حتى في أسوأ أيامها… حتى حين كانت بالكاد تقف على قدميها… كانت تذهب. تحمل الزهور بيديها المرتجفتين، وتجثو أمام القبر لساعات، وكأنها تحاول إقناع التراب أن يعيد إليها ابنها.
بلعتُ ريقي بصعوبة، وقلت:
“إذًا… نلتقي بها هناك؟”
أومأ برأسه:
“نعم. نصل قبلها. تذهبين أنتِ كعادتك… وعندما تكون وحدها… أقترب. نخرجها من الخلف… من جهة القبور القديمة. هناك ممر لا يراقبه أحد.”
“ثم ماذا؟”
صمت.
نظرت إليه بحدّة:
“أين سنأخذها؟”
لم يُجب.
فهمتُ من صمته أكثر مما لو تكلم.
كلما قلّ ما أعرف… كنتُ أكثر أمانًا.
ضحكتُ فجأة، ضحكة قصيرة ومتوترة خرجت رغماً عني:
“لا أصدق… عدتَ من الموت… وما زلتَ تتصرف كأخٍ أكبر يتحكم بكل شيء.”


