انتي مش مراته

ساد هدوء غريب في القاعة بعد خروج رجال التحقيق هدوء يشبه ما بعد العاصفة، لكنه لم يكن راحة، بل بداية مواجهة مع الفراغ.
الموظفون وقفوا في أماكنهم، لا أحد يجرؤ على الكلام.
اقترب مني أحد كبار المدراء بخطوات مترددة سيدتي هل هناك تعليمات جديدة؟
نظرت إليه بثبات نعم. كل شيء يعود إلى وضعه القانوني السابق. أي قرار اتُّخذ خلال السنوات الخمس الأخيرة سيتم مراجعته بندًا بندًا.
أومأ بسرعة وكأنه يخشى أن يتأخر.
ثم خرج الجميع تدريجيًا، تاركينني وحدي في قلب الشركة التي بُنيت بيدي وسُرقت أمامي بصمت.
لكن الحقيقة أن الألم لم يكن في الشركة.
بل في الرجل الذي كان يُسحب الآن خارج المبنى مكبل اليدين.
في المساء، عدت إلى مكتبي القديم في الطابق العلوي.
المكان لم يتغير لكنه لم يعد كما كان في قلبي.
وضعت يدي على الطاولة الخشبية، تلك التي كتبنا عليها أول خططنا منذ ثلاثين عامًا.
ثم فتحت الدرج.
وجدت داخله صورة قديمة أنا ومحمود في بداية الطريق، نضحك وسط أوراق المشروع الأول.
أغلقت عيني للحظة.
ليس حزنًا بل وداعًا لشيء انتهى منذ زمن ولم أكن أريد رؤيته.
طرق خفيف على الباب قطع الصمت.
دخل أحد المحامين كل الإجراءات القانونية تسير لصالحك. الشركة الآن تحت إدارتك الكاملة.
أومأت جيد.
تردد قليلًا ثم قال وهناك أمر آخر محمود طلب مقابلة.
صمتُّ لثوانٍ.
ثم قلت بهدوء لا.
رفع حاجبه حتى لو كان يريد الاعتذار؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها كانت حزينة أكثر من أي دمعة الاعتذار لا يعيد ما تم كسره.
غادر المحامي، وبقيت وحدي مرة أخرى.
اقتربت من النافذة.
المدينة كانت تمتد أمامي كما كانت دائمًا، لكنني كنت مختلفة الآن.
لم أعد المرأة التي جاءت من القاعدة العسكرية فقط.
ولا الزوجة التي تنتظر تفسيرًا.
كنت امرأة استُخدمت ثم نهضت.
بعد أيام، صدر الحكم الأولي بتجميد أصول محمود، وبدء محاكمته بتهم التزوير والاحتيال الإداري.
أما المرأة، فقد اختفت من المشهد تمامًا، وكأنها لم تكن سوى ظل عابر في قصة أكبر منها.
لكنني لم أبحث عنها.
ولا عنه.
لأنني فهمت أخيرًا شيئًا بسيطًا
بعض المعارك لا تُربح بالصراخ بل بالانتظار حتى يظهر كل شيء على حقيقته.
في صباح هادئ، دخلت الشركة مجددًا.
لكن هذه المرة لم أدخل كزوجة، ولا كضحية.
دخلت كقائدة.
نظرت إلى الاسم على الواجهة الزجاجية المنصوري جلوبال
ثم قلت لنفسي بصوت منخفض
انتهى الفصل القديم.
استدرت، وبدأت يومًا جديدًا بلا وهم، بلا خيانة، وبلا خوف.

