روايه للكاتبه مني السيد 2

مظلومة.
وصلنا المستشفى، الريحة هناك لوحدها تقبض القلب. جرينا على الطوارئ، وعلمنا إنه جوه في غرفة العمليات بقاله ساعتين. أخته الكبيرة كانت هناك، أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي سامحيني يا منى.. أخويا كان هيضيع عشان يداري خيبته ويشيل همي.. يا رب قومه بالسلامة.
قعدنا في الطرقة على كراسي جلد مقشرة، الساعات كانت بتمر كأنها سنين. حماتي قاعدة بتسبح وأمي بتدعي له من قلبها.. أمي اللي شريف كسر بخاطرها، هي أكتر واحدة كانت بتدعي له بصوت عالي يا رب ارجعه لمراته وبيته، يا رب ميتّموش ولا تكسر بظهره. بصيت لأمي وحسيت بالفخر إني بنت الست دي.. الست اللي قلبها أبيض ومبتعرفش تشيل غل.
بعد حوالي أربع ساعات، باب العمليات اتفتح والدكتور خرج والتعب باين عليه. جرينا عليه كلنا خير يا دكتور؟ طمنا!
الدكتور مسح وشه وقال الحمد لله.. عدى مرحلة الخطر. الحادثة كانت شديدة، وعنده كسور في الحوض والرجل الشمال، وشروخ في الضلوع.. بس النزيف وقف. هو هيفضل في العناية المركزة تحت الملاحظة ٢٤ ساعة، وبعدها هيتنقل أوضة عادية. ادعوا له.
حماتي سجدت في الأرض تبكي من الفرحة، وأنا حسيت بنَفَس طويل خرج من صدري بعد ما كان مكتوم. شريف عاش.. ربنا عطاله فرصة ثانية.
بعد يومين، شريف اتنقل أوضة عادية. كان شكله يوجع القلب.. متجبس من كل حتة، خراطيم محاليل في إيده، ووشه فيه جروح وخدوش ضيعت كل ملامح الكبرياء والغرور اللي كان واقف بيهم فوق السطوح.
دخلت له الأوضة لوحدي بعد ما حماتي وأخته خرجوا. أول ما شافني، عينيه دمعت.. دار وشه الناحية الثانية كأنه مكسوف يبص في عيني.
قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير، ومسكت إيده السليمة. كانت دافية بس بترعش.
قولتله بصوت هادي حمد الله على سلامتك يا شريف.. كفارة إن شاء الله.
لف راسه ببطء، وبصلي ونبرة صوته كانت مكسورة ومبحوحة جاية ليه يا منى؟ مش إنتي رفعتي قضية تمكين؟ مش سيبتيني ومشيتي وقولتي ورقتي تجيبها معاك؟
نزلت دمعة من عيني ومسحتها بسرعة أنا سيبتك وأنت قوي وقادر وبتفتري.. بس في المرض والمصيبة مسبكش يا شريف. أنا منى.. الست اللي صانت بيتك وعشرتك سنين، مش اللي بتشمت وتبيع في أول وقعة.
شريف غطى عينيه بإيده وبدأ يبكي بنشيج قطع قلبي أنا خسرت كل حاجة يا منى.. العمارة هتروح.. والفلوس راحت، وأنا بقيت عاجز ومش هعرف أتحرك ولا أسدد القرض.. أنا اتقطمت يا بنت الناس.
شلت إيده من على عينه وقلتله بثقة مفيش حاجة ضاعت طالما الروح لسه في الجسد. الفلوس بتيجي وتروح، والعمارة غار في داهية الطوب طالما إنت وسطنا وسطينا. طنط حكت لي كل حاجة يا شريف.. عرفت موضوع القرض وموضوع أختك.
شريف بصلي بذهول وعرفتي ومشتيتيش؟
رديت عليه لأ ممشيتش. . وأزيدك من الشعر بيت.. حازم أخويا كلم محامي صاحبه شاطر في قضايا البنوك، وقاله إننا ممكن نعمل إعادة جدولة للقرض ونرفع قضية على صاحبك اللي هرب ونثبت الشراكة، وبكده البنك هيوقف الحجز لحد ما القضية تفصل.. يعني فيه أمل.
شريف مكنش مصدق.. بص للباب وشاف أمي داخلة وفي إيدها ترمس فيه شوربة دافية. أمي قربت من السرير وابتسمت بطيبتها المعهودة حمد الله على سلامتك يا ابني.. شد حيلك كده عشان تقف على رجليك والبيت ينور بيك تاني.
شريف بكي بحرقة، وأخد إيد أمي وباسها سامحيني يا أمي.. حقك عليا.. أنا كنت أعمى وبقابل طيبتك بقساوة.. أنا أسف.
أمي طبطبت على راسه متقولش كده يا بني.. إنت زي حازم، والمسامح كريم.. أهم حاجة صحتك.
عدى شهرين.. شريف خرج من المستشفى وقاعد في البيت على كرسي متحرك لحد ما يعمل علاج طبيعي. العمارة متباعتش.. الشقة اللي فوق السطوح اتشطبت نص تشطيب وحازم ساعد شريف إنه يأجرها إيجار قديم بمبلغ محترم أخدوه ودفعوه مقدم للبنك عشان يثبتوا جدية الجدولة، والحجز اتوقف فعلاً.
أخته الكبيرة قاعدة معانا في الشقة اللي تحت، بس المرة دي برضايا وبحب. الست بقت شايلاني من على الأرض شيل، ومبتعملش خطوة في البيت إلا لما تستشيرني، وأنا بقيت بعاملها زي أختي الكبيرة بالظبط.. المحنة قربت النفوس وصفّت القلوب.
وفي يوم الجمعة.. البيت كان مليان بريحة المحشي والبط. أمي وحازم كانوا معزومين عندنا. شريف كان قاعد على الكرسي في الصالة، وأمي قاعدة جنبه بتناوله الشاي وبتضحك معاه. حازم واقف مع شريف بيتابعوا أوراق المحامي وبيرتبوا الشغل الجديد اللي شريف هيعمله من البيت على الكمبيوتر لحد ما يخف.
دخلت الصالة وفي إيدي أطباق الفاكهة، شريف بصلي ونادى عليا منى.. تعالي عايزك في كلمة.
قربت منه خير يا شريف؟
طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة، وفتحها.. كان فيها خاتم دهب رقيق. مسك إيدي ولبسهوني وقال قدام أمي وحازم الخاتم ده مش تمن وقفتك جمبي.. لأن وقفتك ملهاش تمن. ده بس تفكيرة إنك غالية أوي.. وإن البيت ده من غيرك كان هيبقى خرابة.. أنا كتبت نص العمارة باسمك يا منى.. مش عشان حازم شرط عليا.. لأ.. عشان دي الحقيقة.. البيت ده نصيبه واقف على كرامتك وصبرك.
أمي زغرطت، وحازم ابتسم وطبطب على كتف شريف. أنا بصيت في عين شريف وشوفت فيها الراجل اللي اتعلم الدرس بجد.. الراجل اللي عرف إن الست مش مكملة عدد، وإن الأصول مبتتجزأش، وإن
اللي يبيّع مراته أهلها.. بيبيع نفسه.
حضنت أمي وبست راسها.. وعرفت إن كرامة الأم لما بتصونها البنت.. ربنا بيرجع لها حقها تالت ومتلت. قفلت باب شقتي وأنا حاسة إن الهوا بقى نظيف، وإن الحكايات اللي بدأت بكسرة.. انتهت بأقوى نصر.. نصر الكرامة والأصول.
تمت بحمد الله..
حكايات_مني_السيد





