زعيم مافيا

يشاركها اللعب بالمكعبات، يراقبها وهي تعدّ وجبات خفيفة، ويتابع حركاتها بعينيه الواسعتين اللتين تحفظان كل تفصيل.
أما لوكا فكان يراها دائمًا كشيء لا يناسب قواعده الصارمة. تتحرك بثقة هادئة، جسدها الممتلئ يملأ الفراغ بدفء مفقود، لا تنكمش ولا تختفي كباقي الموظفين، وملامحها الهادئة تخفي عينًا ترى ما لا يراه غيرها.
وحتى تلك الليلة الواحدة صباحًا.
كان لوكا قد خرج من مكتبه، يمشي بخطوات ثقيلة في الممر الطويل، نية العودة إلى جناحه الخاص، عندما سمع صوتًا خافتًا جدًا لا ضوضاء، بل شيء آخر إيقاع بطيء، دافئ، يتسلل من باب المطبخ المفتوح قليلًا.
اقترب ببطء، بلا صوت كعادته، ونظر من الفتحة وتجمد مكانه.
كانت كاميلا وحدها هناك.
مصباح واحد فقط مضاء فوق طاولة التحضير الكبيرة، والظلال تتطاول على الأرضيات الرخامية الباردة. لم تكن تعلم أن أحدًا يراها. كانت تقف وسط المكان، وذراعاها مرفوعتان بسلاسة، ورأسها مائل قليلًا، وتدور ببطء ترقص.
ليست رقصة مسرحية ولا مصطنعة بل حركات تنبع من داخلها فقط، بطيئة ومنسابة، كأنها تتحدث مع الهواء والصمت الطويل الذي يسكن البيت كله. جسدها الممتلئ يتحرك برشاقة طبيعية، كل منحنى وكل خطوة تتناسب مع نغمة خاڤتة لا يسمعها سواها، أو ربما نغمة تحملها هي وحدها في قلبها.
لم يكن هناك موسيقى مسجلة. فقط إيقاع دقات قلبها وتنفسها المنتظم، وهي تملأ فراغ المطبخ البارد بدفء لم يره منذ ۏفاة إلينا.
وكانت هذه أول مرة منذ شهور طويلة يسمع فيها الصمت وهو ينكسر ببطء وجمال.
لم يتحرك لوكا، ولم يقاطعها. وقف كأنه جزء من الحائط، وعيناه لم تبتعدا عنها للحظة. كل القواعد، كل التحذيرات، كل الرغبة في الطرد والابتعاد تلاشت دفعة واحدة. لأنه رأى شيئًا نادرًا جدًا في عالمه المظلم إنسانة تحتفظ بداخلها بجمال وحياة رغم كل شيء، ولا تخاف أن تظهره حتى لو وحدها في منتصف الليل.
عندما التفتت قليلًا في دورانها، كادت تراه ثم توقفت الحركة ببطء، وأسندت يديها على الطاولة، ورفعت رأسها كأنها تعلم بوجوده من البداية، لكنها لم تتفاجأ ولم تهرب.
فقط التقت عيناها بعينيه عبر الضوء الخاڤت وقالت بصوت هادئ لا يرتجف
أحيانًا الرقص هو الطريقة الوحيدة للتحدث عندما لا يسمعك أحد.
ودون أن يدرك سببًا واضحًا شعر لوكا أن جدار الحجر الذي بناه حول نفسه وحول قلبه منذ ۏفاة زوجته، بدأ يتشقق أول تشققه تمامًا كما تشقق الصمت تلك الليلة.
وقف لوكا مكانه، ولم يبتعد ولا اقترب أكثر. عيناه لم تزل مثبتة عليها، كأن الجملة اللي قالتها علقت في الهواء البارد ورفضت تنزل. بصوت أعمق وأبطأ من المعتاد، سأل
ومن قال إن أحدًا يريد أن يسمع؟
كاميلا لم تخفض رأسها، ولا اعتذرت كباقي الموظفين. مسحت ببطء بقايا غبار دقيق على طرف تنورتها، وردت بهدوء زي ما بتكلم طفلًا خائفًا مش زعيم إمبراطورية
الصمت
مش راحة يا سيد ماريني هو مجرد انتظار طويل لحد يجرأ يفتح فمه أو قلبه. وبيكسره أشياء صغيرة رقصة، نغمة، كلمة بطيئة أو حتى قطة خشبية صغيرة.
ذكر القطة جعله يتذكر ماركو، وكيف تغيرت حركاته بالفعل من يوم جت. خطا خطوة واحدة نحو الباب، ولم يزجرها ولا يذكر القواعد اللي كسرتها. بس قال بصوت نصفه همس
ممنوع الضوضاء بعد العاشرة لكنكِ لم تُحدثي ضوضاء أبدًا. ما فعلته كان شيئًا مختلفًا تمامًا.
تركها وعاد لممره الطويل، لكنه لم ينسَ المشهد ولا الإحساس اللي جابته له أول مرة من شهور. ومن تلك الليلة، بدأ شيء خفي يتغير في الطابق الأربعين الصمت ما عاد صلبًا زي قبل، وبدأ يتسلل فيه دفء بطيء من مطبخ، من غرفة لعب، ومن مربية لا تخاف القواعد لأنها تفهم ما وراءها.
بعد يومين، عند الغروب، كان لوكا يقف بجانب البيانو المغلق كالعادة وسمع صوت ماركو الصغير أول كلمة من ستة أشهر
قِطَّة.
خرجت ضعيفة وبطيئة، لكنها كسرت كل جدار. ورفع الطفل عينيه نحو كاميلا اللي كانت جالسة بهدوء عند الباب، وابتسم ابتسامة صغيرة وكأنها نفس الإيقاع اللي كانت ترقص عليه وحدها في الليل.
مرت الأشهر، وما عاد الصمت سيد المكان.
ماركو عاد يتكلم شيئًا فشيئًا كلماته جاءت دافئة وبطيئة، مثلما كانت خطواته نحو الحياة من جديد. وبيانو البيت، الذي ظل مغلقًا طويلاً كالقپر، بدأت أصابعه الصغيرة ټضرب عليه بلهفة، ثم انضمت إليها نغمات ناعمة تعزفها كاميلا، وفي ليالٍ قليلة جلس لوكا بينهما، ولم يعد يهرب من الذكريات بل بدأ يعيشها بسلام.
عرف أخيرًا أن القوة الحقيقية لا تكمن في الجدران العالية والقواعد الصارمة، بل في الدفء الذي يملأ الفراغات، وفي الشجاعة أن تظهر نفسك بلا أقنعة تمامًا كما كانت تفعل هي، حين ترقص وحدها في المطبخ، وتكسر الصمت بجمالها الهادئ.
عالمه المظلم لم يتغير بين ليلة وضحاها، لكن قلبه وبيته تغيرا تمامًا حيث كان ينتظر الخطړ فقط، أصبح يعرف معنى الأمان، ومعنى أن هناك من يسمعك حتى عندما لا تتكلم.
وفي كل ليلة، حين يهدأ كل شيء، لا يزال يتذكر تلك اللحظة الوحيدة في المطبخ حين رآها ترقص، وعرف أن الصمت الطويل قد انكسر إلى الأبد.
تمت بحمد الله





