ابن عمي بقلم اماني السيد 2

حسن طلع على الصوت، شاف أمه، وقف مكانه ونظرة العتاب في عينه تلاشت أول ما شاف دموع أمه. الحاجة فاطمة قربت منه، حضنته وقالت: “سامحني يا ولدي.. أنا اللي كنت هخرب بيتك بجهلي. مرتك أصيلة، وتصون الاسم والنسل.”
حسن بص لهند اللي كانت واقفة بعيد وبتعيط بفر حة، وعرف إن البنت اللي اختارها عشان “تسترها الدنيا”، هي اللي سترت بيته وحمت عيلته، وبقت هي سِيد الأسياد في قلبه وفي الدوار كله.
مرت الأيام والشهور، وبطن هند بدأت تِكبر، ومعاها كانت بتكبر الهيبة والمحبة في قلب حسن. الحاجة فاطمة مابقتش تقطع رجلها عن الشقة؛ كل يومين تلاتة تنزل من الدوار شايلا قفص فراخ بلدي، أو جرة سمنة، وتقعد جمب هند تقشر لها الفاكهة وتوصيها على نفسها: ” كلي يا بنتي، انتي شايلة حتة من قلب الغالي، مش عايزة الواد يطلع ضعيف.”
هند كانت بتقابل ده كله بأدب الصعيد وأصلها الطيب. عمرها ما فكرت تفكرها باللي فات، ولا قالت كلمة تخلي الست الكبيرة تحس بالذنب. كانت عارفة إن كسب القلوب بالصبر أضمن، وإن حسن بيكبر في عين نفسه كل ما بيشوف مراته بتصون أمه.
لحد ما جت ليلة من ليالي الشتا الواعرة، الهوا كان بيصفر برة والنطرة مغرقة الشوارع. هند حست بالوجع الشديد. قامت من جمب حسن وهي بتتلفت وكاتمة صرختها عشان ماتخضهوش، بس الوجع كان أسبق. مسكت في حرف السرير وصرخت: “يا حسن.. الحقني يا حسن.. الواد شكله مستعجل!”
حسن قام مفزوع، لبس جلبابه وفوقيه الشال وهو مش شايف قدامه. نزل في المطر يجري على بيت الداية وبيت دكتور الوحدة الصحية، وكلم أمه اللي جت تهرول في نص الليل وشالها على راسها وهي بتدعي: “يا رب قَوّمها بالسلامة، يا رب ارزقنا بـ “صابر” يملى علينا الدنيا.” (حسن كان حلف يسمى الولد صابر على اسم عمها الغلبان كنوع من رَد الجميل).
جوة الأوضة، الصريخ هدي فجأة.. وبداله طلع صوت بكا صغير، رفيع، بس ملى الشقة دفا ونور.
الدكتورة خرجت وهي مبتسمة وقالت: “مبروك يا حسن بيه، ولد زي الورد، يتربى في عزك.”
حسن دخل الأوضة وعينه مليانة دموع، بص لهند اللي كانت عرقانة ووشها دبلان بس ضحكتها منورة الدنيا. قرب منها وباس راسها وإيدها وقال وصوته بيتهدج: “حمد الله على سلامتك يا أم صابر.. حمد الله على سلامتك يا ست الستات.”
الحاجة فاطمة خدت الواد، لفته في شال حرير كشميري، وأذنت في ودنه، وبصت لحسن وقالت: “السبوع بكرة يا حسن، وهيدبح فيه تلات عجول في الدوار، والبلد كلها تاكل وتدعي لولد الجبالي.”





