ياسين وليلى ج٢

الحلقة الثالثة: “اعترافات من قلب الجحيم”
​الجو جوه المكتب كان خانق، كأن الأكسجين خلص. ياسين واقف قدام ليلى، إيده على المكتب بقوة لدرجة إن عروق إيده بارزة، وعينيه اللي كانت من دقيقة بتبص لها بـ “شك” بقت بتبص لها بـ “إعصار” من الغضب والحيرة.
​”انطقي يا ليلى.. مروان ملوش أخوات.. مروان ابني أنا، دمه من دمي، فصيلة دمي النادرة اللي ميعرفهاش غيري.. ده معناه إيه؟ إنتي كنتِ بتضحكي عليا في إيه بالظبط؟”
​ليلى كانت بترتجف، حطت إيدها على قلبها وكأنها بتحاول تمنعه يخرج من صدرها. بصتله والدموع محبوسة، لقت إن مفيش مفر، الحقيقة بقت زي الجمرة في إيدها، يا إما تحرقها يا إما ترميها.
​”عايز تعرف الحقيقة؟” صوتها كان مخنوق “أنا مكنتش هقول.. كنت فاكرة إني هقدر أحمي الكل لو سكت.. بس إنت اللي أجبرتني.”
​ياسين قرب منها خطوة، صوته كان فحيح مرعب: “أخلصي.. صبري بدأ ينفد.”
​ليلى غمضت عينيها وقالت جملة خلت ياسين يتسمر في مكانه: “مروان مش أخويا من أمي وأبويا.. مروان.. ابن أبوك.”
​ياسين ضحك ضحكة هستيرية، مفيش فيها أي فرحة، ورجع لورا بخطوات متهزة: “أبويا؟ أبويا اللي مات من سنين؟ أبويا اللي كان مبيخلفش غيري؟ إنتي اتجننتي؟ إنتي بتهذي عشان تبرري خيانتك؟”
​”أبوك مكنش بيخلف غيرك، لأنه كان دافن حقيقته تحت تراب الصعيد، زي ما كان دافن أسراره في القاهره!” صرخت ليلى وهي بتفك السلسلة من رقبتها، السلسلة اللي كان فيها دلاية مفتوحة، فتحتها وطلعت منها ورقة صغيرة مطوية ومصفرة من الزمن: “ده مش بس ابن أبوك.. ده الأخ اللي أبوك خاف يظهر للدنيا عشان يفضل الميراث كله ليك.. وعشان عيلتك ميعرفوش إنه كان متجوز ست تانية من غير علمهم، ست كانت أمي شغالة عندها، وماتت وهي بتولد مروان، وسابتلي الأمانة دي.”
​ياسين خد الورقة منها، إيديه كانت بتترعش، قرأ الكلام، ملامح الصدمة كانت بتحفر في وشه خطوط جديدة. دي كانت شهادة ميلاد وورقة اعتراف بخط إيد أبوه، وموثقة بتوقيع محامي قديم.
​ياسين بص لليلى بعيون مكسورة: “وليه.. ليه مقلتيش من تلات سنين؟ ليه خليتيني أعيش في عذاب السجن؟ ليه خليتيني أكرهك وأنا مكنتش أعرف إني بحارب أخويا الصغير؟”
​ليلى دموعها نزلت: “عشان أبوك كان هيدمره! هو وعمك.. لما عرفوا إن مروان موجود، حاولوا يقتلوه وهو لسه رضيع.. أنا خبيته، وأخدت ذنب خيانتك عشان أبعد الأنظار عن مروان.. كنت فاكرة إن دخولي السجن هو التمن اللي هيدفعني عشان يسبوه في حاله.. بس هما مسبوهوش، هما استغلوا وجوده عشان يضغطوا عليا، ولما خرجت، لقيتك إنت اللي جيت كملت عليهم!”
​ياسين حس إن العالم كله بيتدور بيه. الغضب اللي كان جواه اتجاهها بدأ يتبخر، وحل محله حزن كبير.. بس لسه في لغز واحد، اللغز اللي كان حارق دمه.
​قرب منها تاني، وبص في عينيها مباشرة: “تمام.. مروان أخويا.. ودي حقيقة صدمتني وكسرتني.. بس يا ليلى.. آدم؟ آدم طفل عنده سنتين.. مروان ملهاش علاقة بيه.. آدم شبهي، آدم دمه بيحمل نفس جيناتي.. آدم ابني؟ قولي الحقيقة.. آدم ابني؟”
​ليلى بلعت ريقها بصعوبة، كانت لسه هتفتح بقها، وفجأة صوت خبط جامد على باب المكتب.
​ياسين زعق بضيق: “أنا مش قلت مفيش حد يقطعني؟”
​الباب اتفتح بعنف، ودخل مدير أمن المستشفى وشه أصفر، وبينهج: “ياسين بيه.. الحق.. مروان.. مروان مش في الأوضة!”
​ليلى صرخت: “مروان؟!”
​المدير كمل برعب: “لقينا الممرض اللي كان مكلف بحراسته فاقد الوعي، والأوضة فاضية.. وفي رسالة مكتوبة بدم على الحيطة.. بتقول: (لو عايز أخوك يرجع، سيب الشركة والأسهم.. والصفقة اللي بينا هتتم في مكان ما تتخيلوش).”
​ياسين عيونه قلبت باللون الأسود من الغضب، ضرب المكتب بإيده وكسره، وبص لليلى نظرة نار: “الظاهر إن اللعبة لسه مخلصتش.. مين اللي يعرف مكان مروان غيرنا؟ ومين اللي عارف الحقيقة؟”
​ليلى وقعت على الأرض: “ده عمك.. عمك هو اللي عملها.. هو اللي كان بيراقبنا طول الوقت!”
​ياسين مسك مسد…سه من الدرج، ولبس الجاكت بتاعه بسرعة: “لو عمي قرب من شعرة واحدة من مروان.. مش بس هحرق الشركة.. أنا همحيه من على وش الأرض.”
​بص لليلى اللي كانت بتعيط، مسك إيدها وشدها وقومها: “انتي جاية معايا. مش هسيبك لوحدك، لأن اللي عمل كده.. أكيد عارف إن آدم هو القطعة الناقصة في اللغز.. وعارف إنه ابن مين!”
​ليلى اتجمدت: “يعرف؟”
​ياسين: “لو ميعرفش، يبقى هو اللي هيعرفه دلوقتي.. يلا!”
​وخرجوا الاتنين من المستشفى، والليل كان لسه في أوله، بس العاصفة اللي هتحصل كانت أقوى من أي حد يتخيلها.
​تفتكروا ياسين وليلى هيلحقوا مروان قبل ما فوات الأوان؟ وايه علاقة “آدم” بالتهديد اللي جاله؟ وهل عم ياسين فعلاً عارف إنه ابنه؟
تابع الاخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *