انا اسف حكايات ميرا

صوت الرجل عبر مكبر الصوت مرة أخرى
آخر فرصة… ارمي الملفات واخرج.
ابتسم كريم ابتسامة هادئة.
وقال بصوت مرتفع
اللي بيهدد… بيكون خايف.
ساد الصمت.
وفجأة…
بدأ إطلاق النار.
اختبأ كريم خلف الأعمدة الخرسانية، بينما أخذت الرصاصات تخترق الصناديق.
استغل الفوضى، وفك آخر قيد من قيود المحاسب.
وقال له
أول ما أقولك اجري… ما تبصش وراك.
هز الرجل رأسه.
في نفس اللحظة…
وصلت سيارات الشرطة من الجهة الخلفية.
سمع المهاجمون صفاراتها.
فبدأوا ينسحبون بسرعة.
لكن قبل هروبهم…
ضغط أحدهم على جهاز صغير في يده.
صدر صوت صفير متقطع.
نظر كريم إلى أسفل أحد الصناديق…
فاكتشف عبوة ناسفة موصولة بمؤقت.
باقي أقل من دقيقة.
أمسك الملفات المهمة بسرعة، ودفع المحاسب نحو الباب.
ثم ركضا بكل ما يملكان.
خلفهما…
دوّى انفجار هائل هزّ المنطقة كلها.
ارتفعت ألسنة اللهب عشرات الأمتار، وتحول المخزن إلى كومة من الركام.
لكن كريم كان قد خرج قبل الانفجار بثوانٍ.
في قسم الشرطة…
بدأت مراجعة الملفات.
كانت الصدمة أكبر مما توقع الجميع.
العقود المزورة.
التحويلات البنكية.
أسماء شركاء.
وتسجيلات تثبت أن الاعتداء على ياسمين كان مخططًا له منذ أشهر لإجبارها على التوقيع.
المقدم شريف رفع رأسه وقال
بالقضية دي… مش هيسقط شخص واحد… دي شبكة كاملة.
وفي تلك اللحظة…
دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يلهث
يا فندم… الحاج فتحي سلّم نفسه.
نظر كريم إليه باستغراب.
الحاج فتحي؟
يسلّم نفسه بإرادته؟
ابتسم المقدم شريف ابتسامة خفيفة وقال
فيه حاجة غلط… الراجل ده عمره ما يستسلم بسهولة.
وبالفعل…
بعد دقائق من بدء التحقيق…
قال الحاج فتحي جملة قلبت القضية كلها
أنا مستعد أعترف بكل حاجة…
بس اللي خطط لكل ده… مش أنا.
ثم ذكر اسمًا…
جعل حتى رجال المباحث يقفون في أماكنهم من شدة الصدمة.
يتبع…الجزء التاسع
ساد الصمت داخل غرفة التحقيق.
الحاج فتحي أخذ نفسًا طويلًا، ثم قال بصوت مكسور
اللي خطط لكل حاجة… كان ابني حسام.
نظر الضباط إلى بعضهم في ذهول.
قال المقدم شريف
حسام؟! لكن حسام متوفي من خمس سنين.
هز الحاج فتحي رأسه ببطء.
لا… مزورش شهادة وفاته بس… هو اللي خطط لكل ده من يوم اختفى. كان بيظهر لنا في السر، ويختفي تاني. قال إن موته هو أحسن وسيلة يشتغل من ورا الستار، ومحدش يشك فيه.
قبض كريم على حافة الطاولة.
إذن ياسمين لم تكن تهذي…
كانت تقول الحقيقة.
أكمل الحاج فتحي وهو يبكي لأول مرة
كنت فاكر إنه هيخوفها بس علشان تمضي… لكن لما رفضت… فقد أعصابه. وأنا… سكت. وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
في نفس الوقت…
ورد اتصال عاجل من المستشفى.
رد كريم بسرعة.
جاءه صوت الممرضة مذعورًا
يا رائد كريم… ياسمين اختفت!
قفز من مكانه.
إزاي اختفت؟!
لقينا الحارس فاقد الوعي… وفي ممرض مزيف خرج بسرير نقل قبل عشر دقائق.
ألقى كريم الهاتف واندفع خارج القسم.
كل دقيقة كانت تعني أن ياسمين تبتعد أكثر.
راجعوا كاميرات الشوارع.
ظهرت سيارة إسعاف خاصة لا تحمل أي شعارات رسمية.
توقفت أمام باب الطوارئ.
خرجت بعد دقيقة واحدة فقط.
استطاعوا تتبعها حتى وصلت إلى مصنع مهجور خارج المدينة…
ثم اختفى أثرها.
وصل كريم مع قوة من الشرطة.
كان المكان مظلمًا وهادئًا بشكل مخيف.
دخل بحذر.
وفجأة…
أضاءت الأنوار كلها دفعة واحدة.
وفي منتصف المصنع…
كانت ياسمين مربوطة على كرسي.
وخلفها وقف حسام، يحمل سلاحًا ويبتسم.
قال بهدوء
كنت عارف إنك هتوصل.
رفع كريم سلاحه.
انتهى كل شيء يا حسام.
ضحك حسام.
ثم ضغط زرًا صغيرًا في يده.
بدأ عدّاد إلكتروني كبير على الحائط يعدّ تنازليًا
0500
قال حسام
خمس دقايق… وبعدها المصنع كله هيتحول لركام.
وأنت قدام اختيار واحد…
إما تنقذ مراتك…
أو تمسك بيا.
يتبع…الجزء العاشر النهاية
ثبت كريم نظره على حسام… ثم على ياسمين.
كان العداد ينقص ثانية بعد ثانية.
0442… 0441…
ابتسم حسام بسخرية.
الضابط الشاطر لازم يختار… الواجب ولا مراته؟
لكن كريم لم يرد.
ألقى سلاحه على الأرض.
رفع حسام حاجبه مبتسمًا.
أخيرًا عرفت إنك خسرت.
في اللحظة نفسها…
ضغط كريم بقدمه على قطعة حديد كانت بجواره، فانزلقت بقوة نحو ساق حسام.
اختل توازنه، وسقط السلاح من يده.
اندفع كريم كالبرق.
دار اشتباك عنيف بينهما.
تبادلا اللكمات، حتى اصطدم حسام بإحدى الأعمدة الحديدية.
حاول أن يلتقط السلاح مرة أخرى…
لكن ياسمين، رغم إصاباتها، رفعت قدمها بصعوبة ودفعت السلاح بعيدًا.
نظر إليها كريم بفخر.
حتى وهي منهكة…
لم تستسلم.
كان العداد قد وصل إلى
0157
دخل خبراء المفرقعات مع قوة الشرطة من الجهة الخلفية بعد أن أرسل كريم موقعه قبل دخوله المصنع.
انتشروا بسرعة بين الأعمدة.
صرخ أحدهم
لقينا العبوة الرئيسية!
بدأ يفصل الأسلاك تحت ضغط الوقت.
أما كريم…
فكان يطارد حسام الذي حاول الهرب عبر ممر جانبي.
وصل إلى باب خلفي.
وقبل أن يخرج…
أمسك كريم بذراعه وأسقطه أرضًا.
حاول حسام المقاومة، لكنه كان قد استنزف كل قوته.
قيده كريم بالأصفاد وهو يقول
خمس سنين مستخبي… والنهارده انتهى كل شيء.
في الداخل…
توقف العداد عند
0008
ثم…
انطفأت الشاشة.
صرخ خبير المفرقعات
تم إبطالها!
ساد صمت ثقيل…
ثم تنفس الجميع الصعداء.
بعد أسابيع…
بدأت ياسمين رحلة علاج طويلة.
كانت الكسور كثيرة، لكنها كانت تتحسن يومًا بعد يوم.
أما القضية…
فهزت الرأي العام.
قُبض على كل المتورطين، وكُشف تزوير شهادة وفاة حسام، وأُدين أفراد الشبكة التي حاولت الاستيلاء على الأرض بالقوة والتستر على الجريمة.
وفي أول يوم خرجت فيه ياسمين من المستشفى…
وقف كريم بجوارها أمام باب المنزل.
نظر إلى الحلق الفضي الذي أصلحه واحتفظ به طوال تلك الشهور.
ثم وضعه في يدها وقال مبتسمًا
وعدتك إني مش هسيبك لوحدك تاني…
ووفيت بوعدي.
ابتسمت ياسمين، ودموعها تلمع في عينيها.
ثم أمسكت يده وسارت معه إلى الداخل…
بينما أُغلق خلفهما بابٌ انتهت عنده قصة مليئة بالخيانة…
وبدأت حياة جديدة، عنوانها الأمان والعدل.
تمت بما إن الجزء السابق انتهى بإغلاق كل الخيوط والقبض على الجناة وكتبنا تمت، فالقصة وصلت إلى نهايتها الطبيعية.
إذا حابة تستمري في نفس العالم، فالأفضل يكون تكملة على شكل جزء جديد بدل إطالة النهاية بشكل غير منطقي، مثل
ظهور شخص جديد ينتقم من حسام وهو في السجن.
اكتشاف أن وراء شبكة الأراضي رجل أعمال أكبر لم يُقبض عليه.
حمل ياسمين بعد شفائها، ثم ظهور شاهد جديد يعيد فتح القضية.
أو قصة جديدة بالكامل عن كريم في مهمة عسكرية أخرى.
ده هيخلي الأحداث تفضل مشوقة ومنطقية، بدل ما نلغي النهاية اللي اتبنت عليها القصة بما أن الجزء السابق انتهى بحل العقدة الرئيسية، فاستمرار القصة يتطلب بدء حبكة جديدة. إليك امتدادًا طبيعيًا
الجزء الحادي عشر
مرّت ستة أشهر…
بدأت ياسمين تمشي من غير عكاز لأول مرة.
أما كريم، فكان يظن أن كل شيء انتهى.
لكن في صباح هادئ، وصل إلى مكتبه ظرف أبيض لا يحمل اسم المرسل.
فتح الظرف…
فتجمدت ملامحه.
في الداخل كانت صورة قديمة التُقطت قبل عشر سنوات.
الصورة أظهرت الحاج فتحي. .. وحسام… ورجلًا ثالثًا لم يكن يعرفه.
لكن خلفهم وقف ضابط جيش بملابس عسكرية.
قلب كريم الصورة.
وكانت هناك عبارة مكتوبة بخط اليد
اسأل عن عملية النسر الأسود… الحقيقة لم تبدأ مع ياسمين.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
عملية النسر الأسود…
ذلك الاسم كان سريًا للغاية.
بل إنها كانت أول مهمة عسكرية شارك فيها قبل سنوات، وأُغلقت ملفاتها بأمر مباشر من القيادة.
رن هاتفه في اللحظة نفسها.
جاءه صوت مجهول
لو عايز تعرف ليه استهدفوا مراتك… ارجع لآخر يوم قبل سفرك بثماني ساعات.
أُغلق الخط.
ظل كريم صامتًا.
ثم فتح خزانته الحديدية، وأخرج ملفًا قديمًا مختومًا بختم سري للغاية.
وقبل أن يفتحه…
لاحظ أن الختم ممزق.
توقف قلبه للحظة.
هو لم يفتح الملف منذ سنوات…
فمن الذي سبقه إليه؟
يتبع…الجزء الثاني عشر
وقف كريم يحدق في الملف المفتوح.
كان متأكدًا أنه أغلقه بنفسه قبل سنوات.
سحب الأوراق بسرعة.
لم تكن ناقصة…
إلا صفحة واحدة.
الصفحة الأخيرة.
الصفحة التي كانت تحتوي على أسماء المخبرين السريين الذين ساعدوا الجيش في عملية النسر الأسود.
همس
مستحيل…
في تلك اللحظة، دخل المقدم شريف.
أول ما رأى وجه كريم، سأله
في إيه؟
ناولَه الملف.
قرأ شريف أول صفحتين، ثم قال
العملية دي انتهت من زمان… إيه علاقتها بياسمين؟
رد كريم وهو يشير إلى مكان الصفحة الممزقة
اللي مزق الصفحة كان بيدور على اسم معين… ولو لقى الاسم ده، هيقتل صاحبه.
بدأ كريم يراجع كل تفاصيل آخر يوم قبل سفره في المهمة السرية.
تذكر شيئًا كان قد نسيه تمامًا.
قبل سفره بثماني ساعات…
ياسمين أصرت تخرج تقابله في أحد المقاهي.
قالت له وقتها
في واحد بيراقب البيت من أسبوع.
لكنه ظن أنها مجرد شكوك.
وقتها كان مستعجلًا للسفر.
طمأنها، وطلب منها تقفل الباب كويس.
ثم رحل.
الآن فقط…
أدرك أنه أخطأ.
طلب تسجيلات كاميرات المقهى من الأرشيف.
بعد ساعات من البحث…
ظهر هو وياسمين وهما يجلسان معًا.
وبعد دقيقة…
ظهر رجل يجلس على الطاولة خلفهما.
كان يقرأ جريدة.
لكن عدسة الكاميرا التقطت انعكاس وجهه على زجاج النافذة.
كبّر كريم الصورة.
وتجمد.
الرجل نفسه…
هو الذي تنكر لاحقًا ودخل المستشفى.
وهو نفسه…
كان موجودًا في صورة الحاج فتحي القديمة.
يعني…
كان يراقبهما منذ سنوات.
وفي المساء…
ورد اتصال جديد من رقم مجهول.
هذه المرة لم يكن هناك تهديد.
بل صوت امرأة مسنة تبكي.
قالت
أنا اشتغلت خدامة عند الحاج فتحي عشرين سنة… وسكت كتير.
تنفس كريم ببطء.
إيه اللي تعرفيه؟
قالت وهي تنتحب
ياسمين… مش بنته.
ساد الصمت.
شعر كريم أن الأرض تميد تحت قدميه.
أكملت المرأة
الحقيقة مدفونة في

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *