صعيدي من أكسفورد ج الثالث حكايات مايا خالد

نور بصت لصابعه اللي بتلعب في شعرها، وغمضت عيونها لثواني وهي بتحاول تاخد نفسها. رجعت خطوة لورا عشان تفلت من قربه اللي كان بيلغي تفكيرها، وبصت لكتفه اللي بدأ ينزف بوضوح أكتر ويبهدل الشال البيج:
”سيبك من الكلام ده الحين… كتفك بينزف بجد يا يونس، والرصاصة شكلها سابت علامة واعرة. لازم الجرح يتطهر فوراً.”
يونس بص لكتفه ببرود ولا مبالاة، وابتسم ابتسامة خفيفة مالت بيها شفايفه:
”وعاد صحفية المحروسة طلعت بتخاف من الدم؟ جولتلك يا بت الناس، صعايدة الهوارية جلودهم ناشفة، والرصاصة اللي متموتش بتقوي.”
نور حطت إيدها في وسطها وبصتله بعناد غجري طغى على خوفها:
”وأنا مش هقعد في أوضة واحدة مع راجل بينزف وكأنه مفيش حاجة! انده على الدادة فاطمة تجيب علبة الإسعافات، وإلا والله هطهرها أنا بنفسي بس مش هضمن لو وجعتك!”
يونس ضحك بحة رجولية واطية رنت في الأوضة، وحط البندقية على جنب، وقلع الشال الممزق ورماه بالإهمال على الكرسي. بصلها بعيون كحلية مليانة تسلية وتحدي:
”توجعيني أنا؟ عاد وريني كيف يدك الناعمة دي هتعالج صقر الصعيد. علبة الإسعافات في الدرج اللي تحت المراية عندك… وريني شطارتك يا دكتورة.”
نور بلعت ريقها وحست إنها ورطت نفسها، بس كبريائها منعها تتراجع. مشيت بسرعة وجابت العلبة البلاستيك البيضاء ورجعت وقفت قدامه.
يونس قعد على طرف السرير بكل ثقة، وفتح أول زرارين من قميصه الأسود ببطء وهو عينه منزلتش من على وشها، ونزل القميص من على كتفه العريض المصاب. الجرح كان عبارة عن حفرة سطحية بس بتنزف دم أحمر قاني.
نور قربت ببطء، ركعت على ركبة ونص قدامه عشان تكون في مستوى كتفه، وطلعت القطن والمطهر وإيدها بتترعش خفيف. أول ما حطت القطنة المبللة بالمطهر على الجرح، جسم يونس اتشد وعضلات كتافه برزت بقوة، بس مطلعش منه ولا همسة وجع، عينه كانت مركزة في عيونها اللي قريبة منه جوي.
نور كانت بتتنفس ببطء، وبتحاول تركز في الجرح عشان تداري توترها من نظراته اللي كانت بتخترقها:
”أنا… أنا متأسفة لو كنت بوجعك.”
يونس اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه همس دافي وسط الليل:
”الوجع الحقيقي يا نور… هو إن الواحد يلاقي صيده غالي وصعب يطوله، بس يفضل يحاول لحد ما يجيبه لأرضه.”
نور حست بكهربا سرت في جسمها من نبرة صوته المليانة تلميحات سودا ودافية في نفس الوقت. لزقت البلاستر الطبي بسرعة وقامت وقفت وهي بتلم العلبة بتهرب:
”الجرح كده تمام… وبكرة لازم دكتور يشوفه.”
يونس وقف وعدل قميصه ببطء وهيبته رجعت تسيطر على المكان:
”بكرة الصبح عاد، الدكتور اللي هييجي هو اللي هيكتب شهادة وفاة سليم زهران السياسية والمالية في البلد دي. أنا كلمت ناس واصلين في القاهرة، والملفات اللي معاكي على الفلاشة زمانها الحين بتتحول لجهات تحقيق عليا مش هتقبل تساوم.”
نور بصتله بامل حقيقي:
”يعني خلاص؟ اللعبة هتنتهي؟”
يونس قرب منها خطوة، وبص لوشها اللي بدأ يسترد لونه الودي، وقال بنبرة صعيدية أصيلة تقطع الشك باليقين:
”هتنتهي لـ سليم… بس حكايتي معاكي عاد، مخابرش واصل هتنتهي كيف ولا ميتى. اطلعي سريرك ونامي يا بت الناس… وصوت الرصاص اللي سمعتيه الليلة، اعتبريه كان زفة ترحيب بيكي في بلاد الهوارية.”
سابها وخرج وقفل الباب وراه بهدوء، ونور وقفت مكانها بتبص للباب، وحاسة إن السواد اللي كانت خايفة منه مابقاش بس بيحاصرها من برة… ده بقى بيحاصر قلبها من الراجل الصعيدي اللي نايم ورا الباب ده. حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة باصة للباب شوية، ضربات قلبها كانت لسه مسموعة، مش من رعب الرصاص، لكن من نظرات يونس وكلماته اللي بترن في ودنها. “حكايتي معاكي مخابرش واصل هتنتهي كيف”. الجملة دي كانت زي اللغز اللي خايفة تحله.
راحت للسرير، رمت نفسها عليه بتعب، وغطت وشها بالمخدة وهي بتحاول تهرب من التفكير. الساعات الباقية من الليل مرت بطيئة، وصوت أنفاسها كان الحاجة الوحيدة اللي قاطعة صمت الأوضة.
شمس جديدة وعاصفة جديدة
الصبح طلع بدري في الصعيد. نور صحيت على خبط خفيف على الباب، وصوت الدادة فاطمة الدافي:
”يا بتي… يا بتي اصحي عاد، يونس بيه مستنيكي تحت على الفطار.”
نور قامت بكسل، غيرت هدومها ولبست جينز واسع وتيشيرت قطن أبيض، ولمت شعرها ديل حصان بسيط. نزلت السلم الرخام وهي حاسة بتوتر، القصر كان هادي، بس هدوء مختلف عن هدوء الليل المرعب.
دخلت غرفة السفرة الضخمة، لقت يونس قاعد على راس الترابيزة. لابس قميص أسود بسيط بنص كم، باين منه عضلة دراعه، والشال الصعيدي مرمي بإهمال على الكرسي اللي جنبه. كان بيشرب قهوة سادة وبيقرا في ورق قدامه بتركيز. أول ما سمع صوت خطواتها، رفع عينه وبصلها، وعيونه الكحلية كانت هادية بس فيها نظرة ثاقبة.
”صباح الخير يا بت المحروسة.” قالها بنبرة صعيدية هادية، وشاور لها على الكرسي اللي جنبه، “اجلسي كلي لقمة تفطري بيها، اليوم طويل.”
نور قعدت بتوتر، وبدأت تاكل ببطء. حاولت تفتح كلام عشان تكسر الصمت المربك:
”أنت قولت امبارح إن الملفات زمانها اتحولت لجهات التحقيق… هل فيه جديد؟”
يونس ساب الورق اللي في إيده وبصلها بجدية:
”الأخبار الزينة إنهم مسكوا طرف الخيط، والليلة دي سليم زهران هيكون في قبضة الحكومة. والأخبار الواعرة… إن سليم خابر زين إن النهاية قربت، والنوع ده من الرجالة لما بيحسوا بالخطر، بيضربوا في أي اتجاه، ومش هيهمه غير إنه يوصل لك، إنتي بالذات.”
نور سابت الأكل بخوف:
”هيوصلي إزاي؟ أنا في قصر الهوارية ومحدش يقدر يدخل هنا، صح؟”
يونس مالت شفايفه بابتسامة خفيفة، بس عيونه كانت مليانة تحدي:
”صح… طول ما أنتي جوة السور ده، رقبتك في حماية يونس الهواري. بس الخطر مش بس من برة، الخطر ممكن ييجي من الناس اللي مفروض يحموا سليم، والناس دي في كل مكان.”
فجأة، صوت تليفون يونس رن. رفع التليفون، وملامحه اتغيرت فجأة، الجدية اتحولت لغضب مكتوم، وعروق رقبته برزت.
”جولتهالك ميت مرة يا همام، البنت مش هتمشي من اهني! سليم بيحاول يلعب بورق أخير، وأنا اللي هقطع الورق ده بإيدي.”
قفل الخط ورزع التليفون على الترابيزة بقوة خلت نور تتنفض.
”إيه اللي حصل؟” سألت بخوف حقيقي.
يونس قام وقف، وسند بإيديه على الترابيزة وبصلها بنظرة مرعبة:
”سليم زهران بعت رسالة. بيهدد إنه هيفضح عيلة الهواري كلها لو الملفات دي طلعت للعلن، ومفكر إنه كدة بيلوي دراعي.”
نور وقفت، الكبرياء والخوف بيتصارعوا جواها:
”وأنت… أنت هتسلمني ليه؟ عشان تحمي عيلتك؟”
يونس ضحك ضحكة قوية ومرعبة رنت في غرفة السفرة، خطى ناحيتها ومسكها من دراعها بقوة بس مش مؤلمة، وقربها منه لحد ما أنفاسه لفتت وشها:
”أسلمك؟ عاد يونس الهواري مبيسلمش حرمة دخلت حمايته، حتى لو التمن دمار البلد كلها. سليم زهران فتح باب الجحيم، وأنا اللي هزقه فيه. بس الحين… مفيش خروج من القصر، ومفيش كلام مع حد، ولا حتى الدادة فاطمة. مفهوم؟”
نور بلعت ريقها وهزت راسها بضعف، وهي بتبص لعيونه اللي كانت بتغلي بالغضب والتحدي. يونس سابها وخرج من الغرفة بخطوات سريعة، سايبها وسط دوامة من الأسئلة والخوف من اللي جاي.
اللعبة دخلت في مراحلها الأخيرة، وصقر الصعيد فرد جناحاته للحرب، ونور لقت نفسها في قلب المعركة، ومصيرها مربوط براجل كل ما فيه بيخوفها، وكل ما فيه بيشدها أكتر لعالم أسود وغامض. حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة مكانها، عيونها بتبص للباب الفاضي اللي خرج منه يونس. لمت دراعاتها حوالين نفسها، وحست برعشة خفيفة برغم دفء الجو الصعيدي. كلام يونس كان واضح، التهديد زاد وسليم زهران مابقاش عنده حاجة يخسرها، وده معناه إنه مستعد يحرق الأخضر واليابس عشان يوصل للفلاشة… أو يوصل لرأسها هي بالذات.
رجعت على الجناح الشرقي وحبست نفسها فيه. اليوم مر عليها كأنه سنة، مفيش أي صوت في القصر غير صوت الهوا اللي بيخبط في شيش الشبابيك، وحركة خفيفة برة للحراس اللي يونس زود عاددهم على السور.
الساعة عدت تمانية بالليل، والظلمة كحلت المكان تماماً.
نور كانت قاعدة على الكرسي الهزاز في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وعيونها على الباب. فجأة، سمعت صوت حركة غريبة تحت شباك أوضتها. صوت خطوة خفيفة على الرمل، ووراها صوت وشوشة واطية مكنتش مفهومة.
اتنفضت من مكانها وراحت للشباك ببطء شديد، وربت الشيش وبصت لتحت.
الملامح مكنتش واضحة من الضلمة، بس لقطت حركة لراجل لابس لبس الحراس بتوع القصر، بس كان بيتكلم في تليفون صغير ومخبي بوقه بإيده:
”أيوه يا باشا… البنت في الجناح الشرقي فوق… يونس بيه خرج من ساعة مع همام ورجالته الكبار، والقصر مفيش فيه غير حراسة خفيفة ع البوابات… الطريق فاضي ليكم.”
نور الدم هرب من عروقها، وقلبها سقط في رجليها.
الخاين جوة البيت! الحارس اللي مفروض يحميها شغال مع سليم زهران وجاي يبيعها ليهم.
رجعت لورا بخطوات سريعة وهي بتفكر بجنون. يونس مش هنا، وتليفونها معاه، وهي محبوسة في قصر غريب وسط بلد مكنتش تعرف عنها حاجة من يومين.
ملاقيتش قدامها غير حل واحد. جربت تفتح باب الجناح ببطء، الحمد لله مكنش مقفول بالمفتاح المرة دي. سحبت نفسها في الممرات المظلمة بتاعة القصر وهي بتمشي على طراطيف صوابعها. نزلت السلم الرخام بخفة، وعقلها بيقولها تروح لمكتب يونس… تليفونها الخاص أو تليفون المكتب الأرضي هو أملها الوحيد عشان تطلب المساعدة.
دخلت المكتب وقفلت الباب وراها بهدوء. الأوضة كانت ضلمة تماماً ومفيش فيها غير ضوء القمر اللي داخل من الشباك الإزاز الكبير.
راحت على طول على مكتب يونس، بدأت تفتح الأدراج بجنون وتدور وسط الورق عن تليفونها. مكنش فيه أي أثر ليه.
وفجأة… النور اتفتح في المكتب كله مرة واحدة.
نور اتخضت وصرخت وهي بتلف وشها ناحية الباب وسندت بضهرها على المكتب.
كان واقف عند كبس النور، سانده بكتفه العريض وباصص ليها ببرود مميت وعيونه الكحلية بتلمع بسخرية وغضب مكتوم. “يونس الهواري”.
بصلها من فوق لتحت وقال بنبرة صعيدية هادية وباردة تقطع الأنفاس:
”بتدوري على إيه عاد في أدراج مكتبي يا بت الناس؟ تليفونك؟ ولا كنتِ ناوية تهربي ورا ضهري بعد كل اللي عملته عشان أحميكي؟”
نور بلعت ريقها وبصتله بعيون مليانة دموع ورعب، وجريت عليه ومسكت في قميصه الأسود بقوة وإيدها بتترعش:
”يونس! فيه خاين هنا… فيه حارس من رجالتك واقف تحت الشباك وكان بيكلم سليم زهران! قاله إنك مش هنا وإن الطريق فاضي ليهم عشان يدخلوا ياخدوني! أرجوك صدقني!”
يونس ملامحه متهزتش شعرة. مد إيده الكبيرة وبمنتهى الهدوء مسك إيدها اللي ماسكة قميصه ونزلها ببطء، وبص في عيونها مباشرة وقال بصوت دافي ورجولي واثق لدرجة الرعب:
”عارف.”
نور اتسمرت مكانها وعيونها اتسعت بصدمة:
”عارف؟ عارف إزاي؟”
يونس خطى خطوة ناحية الكنبة وقعد عليها بكل هيبة، وربع رجل فوق رجل وقال وهو بيمسح على دقنه الخفيفة:
”أنا يونس الهواري يا نور… يعني مفيش نملة بتتحرك في داري من غير إدني. الحارس الخاين ده، أنا اللي سايبه يتكلم… والكمين اللي سليم زهران جاي برجله فيه الليلة، أنا اللي نصبه بيدي.”
قربت منه بذهول:
”يعني أنت مخرجتش من القصر؟”
يونس وقف تاني، وبقى يفصل بينه وبينها خطوة واحدة، وطى لمستواها وهمس بصوت واطي فيه بحة رجولية خطفت قلبها:
”أخرج وأسيب صيدي لوحده؟ عاد ده يبقى عيب في حق الهوارية. أنا اهني… وسليم زهران الليلة هيدخل برجله لعرين الصقر، والملفات اللي معاكي بقت الحبل اللي هيلتف حوالين رقبته في نص بيتي.”





