صعيدي من أكسفورد ج الثالث حكايات مايا خالد

نور اتسمرت مكانها، والبرودة رجعت تسري في أطرافها من تاني وهي بتسمع نبرة صوته المليانة ثقة مرعبة. يونس سابها وخرج من المكتب، وصوت خطواته المنتظمة على الرخام كان بيتباعد لحد ما اختفى تماماً.
​رجعت على جناحها وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. قعدت جنب الشباك وبصت على الجناين والنخل برة؛ الشمس كانت بدأت تغيب، والليل بدأ يرمي ضله الأسود على القصر وهدوء الصعيد اللي بيخبي وراه عاصفة.
​عدت ساعات الليل ببطء قاتل. الساعة قربت من حداشر بالليل، والهدوء اللي في القصر كان مريب لدرجة تخليك تسمع دقات قلبك… وفجأة، الهدوء ده انكسر بصوت ضرب نار من بعيد، جاي من ناحية البوابات الخارجية للقصر!
​نور اتنفضت من مكانها وقلبها هيقف من الرعب. جريت على الشباك وبصت، شافت حراس القصر بيجروا بأسلحتهم الآلية، وفلاشات كشافات العربيات السودة برة السور بتتحرك بجنون. ضرب النار بدأ يزيد ويسخن، وصوت الرصاص كان بيرن في ودنها زي الرعد.
​جناحها اتفتح فجأة بحدة.
​دخل يونس، ولابس عبايته السودة وفوق كتافه الشال، وماسك في إيده بندقية آلية فخمة، وعيونه الكحلية كانت بتلمع بغضب وصيد حقيقي. قرب منها بسرعة وسحبها من دراعها بخفة ووداها في زاوية دارية ورا دولاب الخشب الأرو الضخم:
​”خليكي اهني… واصل متتحركيش ولا تظهري لوع! رجال سليم هجموا على البوابات، شكل المحروس بايع عمره الليلة وجاي يفتش في دار الهواري.”
​نور مسكت في كم عبايته السودة بخوف حقيقي، وعيونها مدمعة:
​”يونس… أرجوك خليك هنا، متخرجش! دول كتير وسمعت صوت رصاص كتير برة!”
​يونس بصلها بنظرة غامضة، ولمسة حنية خفيفة ظهرت في عيونه للحظة تاهت وسط ملامحه الصارمة. حط إيده الكبيرة على كفها اللي ماسك عبايته وطمنها بنبرة صعيدية دافية بس قوية:
​”متقلقيش على ولد الهواري يا بت الناس… الصقر في أرضه مبيخافش من الغربان. خليكي اهني، وسلا*حي ده مبيخيبش واصل.”
​سابها وخرج وقفل الباب وراه بالمفتاح عشان يأمنها.
​نور حطت إيديها على ودنها وهي بتسمع صوت ضرب النار اللي بقى أقرب بكتير… صوت الرصاص كان بيهز حيطان القصر الأثري، وصوت زعيق رجال يونس برة وصوت يونس الآمر وهو بيوجههم كان واصل ليها.
​بعد نص ساعة من الرعب والضرب المستمر، الصوت بدأ يهدى تدريجياً، لحد ما ساد صمت تام ملوش آخر… صمت مرعب أكتر من ضرب النار نفسه.
​نور فضلت واقفة مكانها ورا الدولاب، كاتمة أنفاسها وبتترعش، مستنية تسمع أي صوت يطمنها… لحد ما سمعت صوت خطوات تقيلة وثابتة بتقرب من باب الأوضة، وصوت المفتاح وهو بيلف في القفل. حكايات مايا خالد
الباب اتفتح ببطء شديد، وصوت مفاصل الخشب القديم كان بيرن في ودن نور زي صفارة إنذار. لفت وشها بسرعة ناحية الباب، وضهرها لزق في الحيطة ورا الدولاب، وصوابعها كانت بتغرس في كفوفها من كتر الرعب.
​دخل هو…
​الجلباب الأسود كان عليه تراب وعفرة من تراب المعركة، الشال البيج ممزق شوية عند الكتف، وفي كف إيده اليمين البندقية الآلية وسطحها الفضي بيلمع تحت ضوء الممر الخافت. ملامحه كانت شبه جبال الصعيد… جامدة، قاسية، ومفيش فيها أي تعبير، بس عيونه الكحلية كانت مليانة بلمعة نصر أسود وغامض.
​أول ما شافها واقفة مكانها، عيونها مبرقة برعب وبتترعش، نزل فوهة البندقية للأرض ومسح على وشه ببطء وهو بيتنهد بعمق. خطى خطوتين لجوة الأوضة وقفل الباب بضهره.
​نور طلعت من ورا الدولاب بخطوات مهزوزة، وصوتها طلع بالعافية:
​”يونس… أنت… أنت كويس؟ إيه اللي حصل برة؟”
​يونس بصلها، ومال براسه لورا وهو بيسند البندقية على الحيطة جنب الباب، وقال بنبرة واطية ومبحوحة فيها هيبة وصوت رجولي هادي:
​”أنا جولتك من جبل يا بت الناس… تراب الهوارية مبيقبلش الخاينين. سليم زهران بعت كلابه يجسوا النبض، مفكرين إننا نايمين في العسل… بس رجالي علموهم الأدب، واللي فضل منهم صاحي هرب في الجبل كيف الفئران.”
​نور بلعت ريقها وقربت منه خطوة، عيونها كانت بتتحرك على جسمه بتوجس وقلق حقيقي تاه منها وسط الخوف:
​”بس… بس أنت بتنزف! كتفك فيه دم!”
​يونس بص لكتفه بإهمال وتجاهل تام، وقال بابتسامة سخرية خفيفة:
​”ده خربوش بسيط من رصاصة طايشة… ميعيبش راجل صعيدي واصل. المهم الحين… سليم زهران عرف إنك اهني بالتاكيد بعد الحركة دي، وبكرا الصبح البلد كلها هتكون مقلوبة.”
​مشى خطوات بطيئة ناحيتها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات قليلة. ريحة البارود والتراب المخلوطة بالعود الفخم اللي بيستعمله حاصرت حواس نور بالكامل. وطى راسه لمستواها وبص في عيونها مباشرة:
​”اللعب الحين مابقاش فيه تراجع يا نور… سليم زهران حفر قبره بيده لما فكر يضرب نار على قصر يونس الهواري. الملفات اللي معاكي دي… هنسلمها لجهات عليا بكرة، وسليم هيتلم في الحديد قبل ما الشمس تغيب.”
​نور حست بقلبها بيدق بسرعة مرعبة من قربه وأنفاسه السخنة اللي بتلف وشها، وقالت بصوت همس:
​”وتليفوني؟ هيرجعلي؟”
​يونس مد إيده القوية، ومشى صوابعه الخشنة بلطف وهدوء على خصلة من شعرها الغجري المتمرد، وهمس بصوت واطي ومثير هز كيانها:
​”تليفونك هيرجعلك يا قطة… لما أتأكد إنك بقيتي في أمان بعيد عن المحروسة وناسها. بس لحد ما ده يحصل… أنتِ لساتك في حمايتي وتحت عيني… والظاهر عاد، إن صيد الغالي واعر، وأنا مبعرفش أسيب صيدي واصل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *