المعلم المسكين ا مايا خالد
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

قاعة المحاضرات في جامعة “متروبوليس” كانت مليانة دوشة وضحك مستفز. في آخر صف، تلاتة من عيال الأغنياء المدللين—سيف، ومروان، ويزن—قاعدين بيبصوا لبعض بخبث وعينهم على الأستاذ الجديد وهو واقف قدام السبورة.
الأستاذ كان لابس بدلة رمادية بسيطة، وهادئ بشكل مبالغ فيه، وشعره مرتب بطريقة كلاسيكية مداري بيها ملامح وجه حادة مش باينة غير للي يركز معاه. العيال دول طلعوا عليه لقب “المعلم المسكين” من أول يوم، وقرروا النهاردة يخلّوه مادة لسخريتهم.
قام سيف، وهو لابس ساعة كلاسيكية غالية جداً، وقطع صمت القاعة بصوت عالي:
— “بعد إذنك يا حضرة الأستاذ.. هي البدلة دي من تخفيضات السنة اللي فاتت؟ ولا مرتبك الجامعي مش مكفي تجيب قميص يليق بمقامنا؟”
القاعة كلها ضحكت ضحكة مكتومة، وباقي الطلاب انكمشوا في مكانهم خوفاً من شر التلاتة دول ونفوذ أهاليهم.
الأستاذ ما اتحركش نهائي. استدار ببطء شديد، حط الطباشير على الطاولة، وبعدين بص لسيف نظرة هادئة وخالية تماماً من أي خوف أو توتر—نظرة خلت ظهر سيف يترعش رعب لثانية واحدة قبل ما يخبي ده وراء ابتسامة متعجرفة.
قال الأستاذ بصوت هادئ وعميق مالي القاعة كلها:
— “المظهر الخارجي يا سيف، غالباً بيبقى غطاء رخيص مداري وراه مصايب.. تماماً زي بعض الشركات اللي فاكرين نفسكم إنكم مالكين بيها البلد وهي في الحقيقة على طارف الإفلاس.”
وش سيف احمر من الغل، وهمس ليزن ومروان:
— “الأستاذ ده محتاج درس خصوصي برا السور، عشان يعرف هو بيتعامل مع مين.”
بعد المحاضرة ما خلصت، الأستاذ طلع من مبنى الجامعة ومشي بهدوء ناحية جراج السيارات القديم. وما إن عدى الزاوية المظلمة لحد ما لقى التلاتة دول قاطعين عليه الطريق ومعاهم اتنين من الحراس الشخصيين بتوعهم الأجسام الضخمة.
قرب سيف وهو بيلعب بمفاتيح عربيته الغالية وقال بتهكم:
— “شكلك ما فهمتش الدرس يا أستاذ. هنا في البلد دي الاحترام مش بيتشري بالشهادات، ده بيتشري بالفلوس والنفود. اركع واعتذر، وجايز نعدي اللي حصل.”
الأستاذ ابتسم.. بس الابتسامة دي ما كانتش ابتسامة معلم طيب خالص، دي كانت ابتسامة باردة ومرعبة خلت الكل يبلع ريقه.
بهدوء شديد، طلع موبايله القديم اللي بزراير، ضغط على زرار واحد بس، ورفعه على ودنه وقال بصوت آمر وخالٍ من أي مشاعر:
— “صقر.. اخلص. الشركة القابضة عيلة سيف.. اعلنوا إفلاسهم حالاً. وما تاخدوش أسرى.”
سيف ضحك بصوت عالي وقال بسخرية:
— “أنت بتهبد في إيه؟ بتكلم نفسك؟ أنت آخرك…”
رنين موبايل سيف العالي قطع ضحكته. طلع تليفونه وإيده بترتجف، وشاف اسم أبوه على الشاشة. فتح بسرعة، جه صوت أبوه صارخ ومنهار تماماً:
— “سيف! أنت عملت إيه؟! كل حساباتنا اتجمدت! الشركة وقعت في ثواني! الدائنين حوالينا في كل حقت! مين.. مين اللي غضبنا النهاردة ده؟!”
الموبايل وقع من إيد سيف على الأرض الإسفلت وتكسر حتت. وش سيف اصفر واتملى رعب وهو بيطلع عينه ببطء ناحية الأستاذ.
في اللحظة دي، خمس عربيات سوداء فخمة بزاز غامق وقفت فجأة حوالين الجراج، ونزل منها عشرات الرجالة ببدلات سوداء ونظارات شمسية، وقفوا باحترام تام وعملوا طابورين.
تقدم رجل طويل وقامته فارعة، ماسك شنطة جلد سوداء، وانحنى باحترام شديد قدام الأستاذ وقال:
— “كل حاجة تمام يا زعيم. المحفظة اتنضفت، وعائلات القطاع الشمالي كله انتهى أمرهم.”
الأستاذ هز راسه بهدوء، عدل أزرار قميصه، وبعدين بص لسيف اللي كان قاعد على ركبتيه من الصدمة، وقال بصوت هامس:
— “الدرس خلص يا سيف.. بس الامتحان الحقيقي في عالمي.. لسه ما بدأش.




