المعلم المسكين ا مايا خالد

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

مرت الأيام الأولى للشراكة الجديدة في جو يشبه الرقص على حافة حفرة من النيران. في قصر النيل، لم تكن الدكتورة مجرد شريكة على الورق، بل أثبتت كفاءة مرعبة في إعادة هيكلة العمليات المالية لإمبراطورية الزعيم، وتحويل الأموال عبر شبكات معقدة يستحيل تتبعها. لكن تحت هذا التعاون الظاهري، كانت حرب دموية صامتة تدار بالخفاء؛ كل طرف كان يتربص بالآخر، ويبحث عن ثغرة واحدة تمنحه السيطرة المطلقة وتنهي اللعبة للأبد.
​في إحدى ليالي الشتاء الباردة، كان المطر ينهمر بغزارة خارج النوافذ الزجاجية العملاقة للمكتب الحصين. الزعيم كان جالساً يراجع التقارير الأخيرة، بينما وقف صقر بجانبه بوجه مكفهر وغير مريح.
​قال صقر بصوت منخفض ومحذر:
— “يا زعيم، رصدنا تحركات مريبة تخص الدكتورة. يبدو أنها لم تكتفِ بالجانب المالي، بل نجحت في التواصل سرا مع القيادات العليا للتحالف الدولي اللي حاول يوقعنا الشهر اللي فات. هي بتجهز لـ “ضربة القاضية” وغالباً الليلة هي ساعة الصفر.”
​لم يتفاجأ الزعيم، بل غطى فنجان قهوته ببطء وابتسم ابتسامة هادئة خالية من أي توتر. وقف وقال:
— “كنت متوقع منها كده من أول يوم.. الذئب عمره ما بينسى طبعه، حتى لو لبس ثياب الحملان. جهز الرجالة يا صقر، وخلينا نروح ننهي الحفلة بالطريقة اللي هي بتحبها.”
​في نفس اللحظة، داخل الطابق السفلي المحصن للقصر حيث توجد غرف التحكم المركزية، كانت الدكتورة تقف أمام الشاشات الرئيسية وأصابعها تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح. استطاعت أخيراً اختراق الجدار الناري الأخير لأنظمة الزعيم، وأصبح زر “إغلاق الإمبراطورية بالكامل” تحت سيطرتها المطلقة. رفعت وجهها بابتسامة نصر وقالت لنفسها:
— “انتهت اللعبة يا زعيم.. السيطرة بقت لي.”
​لكن فجأة، انطفأت جميع أضواء غرفة التحكم، وفتحت الأبواب الثقيلة بصوت ميكانيكي مدوٍ. دخل الزعيم بخطوات ثابتة وهادئة، وكان يصفق بيديه ببطء، وخلفه صقر ومجموعة من الحراس.
​قال الزعيم بصوته العميق وهو يقترب منها:
— “رائع جداً يا دكتورة.. وصلتي للخطوة الأخيرة بمهارة مذهلة. بس زي ما عودتك.. أنا دايماً بكون متواجد في اللحظة اللي بتفكري فيها إنك كسبتي.”
​استدارت الدكتورة بسرعة، وبدل أن تبدو مرتبكة أو خائفة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة وواثقة، فضغطت على زر الإدخال النهائي في جهازها وقالت بتحدٍ:
— “فات الأوان يا زعيم.. بضغطة زر واحدة، كل أموالك، حساباتك، وشبكتك اتحولت لحسابات حكومية دولية. أنت انتهيت!”
​لم يتحرك الزعيم خطوة واحدة، بل أخرج هاتفه القديم بزراراير، ورفعه أمام عينيها بهدوء، ثم ضغط على زر واحد وقال:
— “تكنولوجيا الأقمار الصناعية متطورة يا دكتورة.. والبروتوكول اللي استخدمتيه عشان تحولي الفلوس، كان أصلاً فخ منصبه ليكي عشان أعرف مكان خوادمك السرية.”
​في تلك اللحظة، ظهرت على شاشات الغرفة رسالة جديدة تحمل اسم “تمت السيطرة العكسية”، وظهرت إحداثيات موقع شركائها الدوليين وهم يُقبض عليهم في نفس الثانية في مختلف أنحاء العالم.
​اصفرّ وجه الدكتورة لأول مرة، وتراجع جسدها للوراء بخطوات بطيئة وهي تهمس بصدمة:
— “إزاي… إزاي عرفت مكانهم؟!”
​تقدم الزعيم منها خطوة أخيرة، وانحنى قليلاً ليطالعها بعينين حادتين كالصقر، وقال بنبرة هادئة ومرعبة:
— “لأنكِ بتلعبي في ملعب الملك.. والملك هو اللي بيحط قواعد اللعبة، مش الضيوف. النهاردة الدرس انتهى بجد، والاختيار ليكي: إما تعودي لجامعتكِ كمدرسة بسيطة وتنسي العالم ده للأبد.. أو تكملي معايا، بس المرة دي.. كـ أسيرة تحت إمرتي.”وقفت الدكتورة مذهولة أمام الشاشات التي أطاحت بكل خططها في ثوانٍ معدودة. أنفاسها تتسارع، وعقلها يرفض الاعتراف بأنها وقعت في الفخ ذاته الذي نصحته لغيرها. لكن سرعان ما تراجع ذلك الخوف ليحل مكانه ذلك البريق الجريء الذي لا ينطفئ.
​رفعت رأسها ببطء، وابتسمت ابتسامة خفيفة ومستفزة رغم كل شيء، وقفت بكل كبرياء وقالت بصوت ثابت:
— “أسيرة؟! أنت لسه ما عرفتنيش كويس يا زعيم. أنا لا أقبل أكون في مرتبة أقل من الشراكة.. ولا أقبل أرجع للطباشير والسبورة بعد ما شفت سحر السلطة الحقيقية.”
​اقترب الزعيم منها أكثر، حتى أصبحت أنفاسهما متقاربة، وملامحه الحادة تخترق عينيها بحثاً عن أي ذرة تردد، لكنه لم يجد سوى التحدي الخالص. ساد صمت طويل بينهما، محمل برائحة القهوة المرة ودخان السيجار، وكأن جدران القرفة تحبس أنفاسها بانتظار القرار التاريخي.
​أخيراً، ارتسمت على شفتي الزعيم ابتسامة واسعة، وعلت ضحكته الرجولية العميقة أرجاء الغرفة المظلمة. أشار لصقر بيده أن يتراجع، ثم مد يده لها وقال بنبرة مليئة بالإعجاب والاحترام:
— “إذاً، لا أسرى ولا طلاب كسلانين.. أهلاً بكِ في العرش يا شريكتي. لنحكم هذه المدينة معاً.”
​نظرت الدكتورة إلى يده الممدودة لثانية، ثم وضعت يدها في يده بقوة وثبات، معلنةً بداية عهد جديد لا مساومة فيه؛ ععهد تحكم فيه “الجلاد الصامت” إلى جانب “زعيم المافيا”، لتصبح إمبراطوريتهما التي لا تُقهر هي الحاكم الفعلي للعالم من خلف الستار.مرت الشهور، وتحولت الشراكة بين “الزعيم” و”الدكتورة” إلى تحالف مرعب لا يقف في طريقه أحد. لم تعد المدينة تحت رحمة الصراعات القديمة، بل أصبحت رقعة شطرنج ينفذ فيها الاثنان تحركاتهم بدقة وصرامة. الأسواق العالمية، الموانئ، والسياسيون باتوا يطيعون الإشارة الصامتة الصادرة من قصر النيل.
​وفي أحد الأمسيات الصيفية الدافئة، كانت النوافذ الزجاجية العملاقة لمكتب الزعيم مفتوحة على مصراعيها لتسمح لنسمات نهر النيل الباردة بالدخول. كانت الدكتورة جالسة على المقعد الجلدي المقابل لمكتبه، ترتدي بدلة سوداء أنيقة، وأماميها فنجان قهوتها المفضل، بينما يضع الزعيم سيجاره جانباً وينظر إليها بنظرة متأملة.
​قال الزعيم بصوت هادئ ومبتسم بتهكم خفيف:
— “من يصدق يا دكتورة، أن أستاذة الاقتصاد التي دخلت الجامعة لتعطي الدروس، انتهى بها المطاف لتكون المرأة الأقوى في القارة؟ هل ما زلتِ تحنين للسبورة والطباشير؟”
​رفعت الدكتورة فنجان القهوة ببطء، وابتسمت ببرود ساحر، وردت بصوتها الواثق:
— “السبورة كانت مجرد بداية صغيرة يا زعيم.. أما الآن، فاللوحة التي نكتب عليها أصبحت أكبر بكثير.. والدروس التي نقدمها للعالم اليوم.. لا تعوض بثمن.”
​وقف الزعيم من مكانه، واتجه نحو النافذة مأخوذاً بمدينته التي أصبحت تقع تحت سيطرتهما المطلقة، والتفت إليها قائلاً:
— “إذن، بما أن العالم كله أصبح يقرءون كتابنا.. برأيك، ما هو الفصل الأخير في روايتنا؟”
​وقفت الدكتورة بجانبه، نظرت إلى أضواء المدينة المتلألئة، وقالت بثبات لا يلين:
— “الفصل الأخير لم يُكتب بعد.. لأننا لن نتوقف أبداً عن إعادة كتابة القواعد.”
​وفي تلك اللحظة، رن الهاتف القديم بزراير على مكتب الزعيم للمرة الأخيرة، إيذاناً ببدء صفقة جديدة وإمبراطورية أبدية لا تنتهي.
تمت
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *