المعلم المسكين ا مايا خالد
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الجو في الجراج كان تملّاه سكون مرعب، لدرجة إن صوت نسمة الهوا كان بيتسمع بوضوح. سيف كان قاعد على ركبتيه وباصص للأرض بـ عيون جاحظة، ووعيه مش مصدق الكابوس اللي عاش فيه في أقل من خمس دقايق.
رجالة المافيا كانوا واقفين زي التماثيل، مستنيين إشارة واحدة من الأستاذ — أو “الزعيم” زي ما ناداه رئيس الحرس.
الأستاذ وطى بـ جسمه شوية لقدام، وابتسم ابتسامة هادية وهو بيبص لسيف اللي كان بيرتجف كأنه في عز الشتا:
— “قولي يا سيف.. لسه شايف إن الشهادات ملهاش قيمة قصاد الفلوس؟ ولا حسيت إن الفلوس ممكن تطير في ثانية مع أول هزة من شخص ما يعرفش حتى شكلك الحقيقي؟”
مروان ويزن، اللي كانوا واقفين على جنب بيترعشوا من الخوف، حاولوا يرجعوا ورا بخطوات بطيئة عشان يهربوا، لكن اتنين من الحراس سدّوا عليهم الطريق في نفس اللحظة من غير ولا كلمة، ونزّلوا راسهم لتحت بتهديد صامت.
عقد الأستاذ إيديه الاثنين قدام صدره وكمل بهدوء:
— “أنا جيت الجامعة دي مش عشان أقبض ملاليم أو أستحمل سفاهة عيال متدلعين.. أنا جيت هنا عشان أراقب صفقة معينة تخص الميناء الشمالي، وكنت حابب أجرب أعيش حياة الهادي العاقل لفترة قصيرة.. بس للأسف، أنتم ما أدتونيش فرصة أكمل التجربة.”
طلع سيجار فاخر من جيبه، وولعه بهدوء تام، ونفخ الدخان في الهوا قدام وش سيف، وقال:
— “قوم اقف.”
سيف بلع ريقه بصعوبة بالغة، وحاول يقف على رجلين بتترعش، لحد ما بقى واقف قدام الأستاذ وهو حاني ظهره من كتر الخوف.
ـ”بكرة الصبح الساعة تمانية، هتكون في مكتب عميد الجامعة.. مش عشان تحضر المحاضرة، لا.. عشان تقدم استقالة جماعية ليك أنت وأصحابك، وتعلنوا سفركم برا البلد نهائي.. ولو حسيت بس إن اسم عيلتك ظهر تاني في الشارع هنا.. صدقني، الشركة مش هي الوحيدة اللي هتختفي من الوجود.. مفهوم؟”
هز سيف راسه بسرعة بجنون ودموعه في عينه، وقال بصوت منهار ومتقطع:
— “مـ.. مفهوم يا زعيم.. والله مفهوم.. سامحني.. أرجوك!”
أشرف الأستاذ بإيده للرجالة، فرجعوا لورا بخطوة واحدة وفتحوا الباب لسيارة فخمة كانت واقفة في النص. ركب الزعيم بهدوء، وقفلت الأبواب ورا بعضها بـ صوت مكتوم، وتحركت الموكب كله في ثواني معدودة واختفت في ضباب الشارع.
فضل سيف واقف مكانه لوحده هو وأصحابه، والكل عارف إنهم نزلوا من السما للأرض، وإن “المعلم المسكين” طلع وحش حقيقي محدش يقدر يقف في طريقه.”




