المعلم المسكين ا مايا خالد

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

تاني يوم الصبح، الساعة تمانية بالضبط، كان مبنى إدارة جامعة “متروبوليس” ماليان حالة توتر غير طبيعية. الطلاب والعاملين كانوا مذهولين من الأخبار اللي انتشرت زي البرق في البلد كلها: عائلة “سيف” أعلنت إفلاسها بشكل رسمي ومفاجئ، وشركاتهم اتقفلت في ليلة وضحاها، ووالده نزل بيان عاجل إنه بيبيع كل أصوله عشان يسدد الديون الهائلة.
​في مكتب العميد، كان سيف ومروان ويزن قاعدين على الكراسي ووشوشهم باهتة كأن الدم متصفى منها. ما بقاش في أي اثر للتعجرف ولا للساعات الغالية اللي كانوا بيتباهوا بيها امبارح.
​الباب خبط ودخل الأستاذ.
​ما قعدش على مكتبه زي كل يوم، بل وقف قدامهم وهو بيلبس ساعته الكلاسيكية بهدوء شديد. بص لسيف اللي كان بيبص للأرض وبيقفر من كتر الرعب، وطلع من جيبه ورق الاستقالة ورميها قدامهم على المكتب.
​قال الأستاذ بصوته الهادئ:
— “الورق جاهز يا رجالة.. ولا لسه شايفين إنكم أسياد المكان؟”
​سيف بلع ريقه بصعوبة ودموعه في عينه، ومسك القلم بإيد بترتجف بشدة، ووقع على الاستقالة فوراً من غير ما ينطق بحرف واحد. مروان ويزن عملوا زيه بسرعة، وكأنهم بيوقعوا على صك نجاتهم من الموت.
​اخد الأستاذ الورق، حطه في شنطته الجلد، وبص لهم نظرة أخيره وقال:
— “طائرة العيلة لسويسرا طالعة كمان ساعتين.. أتمنى السفر يفيدكم، لأن رجوعكم هنا معناه نهاية القصة للكل.”
​سابهم الأستاذ وخرج من المكتب بخطوات ثابتة ومحسوبة. وقف قدام مرايا الحمام يغسل إيده، وبص لنفسه في المرايا نظرة أخيرة، وهو بيعدل ياقة بدخته البسيطة.
​في نفس اللحظة، رن تليفونه القديم. رد بصوت جاد:
— “ايوا يا صقر.. طمنوني، الميناء اتأمن؟”
— “كله تحت إمرتك يا زعيم، الشحنة دخلت، والقطاع الشمالي بقى تحت سيطرتنا بالكامل.”
​ابتسم الأستاذ بخفة، وقفل التليفون، وهو عارف كويس إن إجازته القصيرة كـ “أستاذ جامعي” خلصت، وإن عرش امبراطوريته بيستناه يرجع، عشان يعرف الكل مين هو الحاكم الحقيقي للعبة.
مرت أسابيع على تلك الحادثة، ورغم عودة الأستاذ—أو بالأحرى زعيم المافيا—إلى عرشه الحقيقي وإدارة عملياته الضخمة من خلف الكواليس، إلا أن اسم “الجامعة” ظل يتردد في ذهنه من وقت لآخر. لم تكن مجرد نزوة، بل كانت محاولة غريبة للهروب من صخب الدماء والصفقات إلى هدوء المحاضرات والنقاشات الأكاديمية.
​في أحد الأمسيات، داخل قصره الفاخر المطل على النيل، كان الزعيم جالسًا في مكتبه المظلم، يمسك بيده فنجان قهوة مرة، بينما كان “صقر” يقف أمامه بانتظار الأوامر، ومعه حزمة من التقارير الحديثة.
​قال صقر بصوته الخشن:
— “يا زعيم، الشحنة الجديدة وصلت الموانئ الإيطالية، والشركاء في الخارج بيطلبوا اجتماع عاجل عشان نحدد نسبة الأرباح للفصل الجديد. كمان… في شخصية سياسية جديدة حاولت تفرض شروطها في القطاع الجنوبي، و…”
​قاطعه الزعيم برفعة يد بسيطة، وعيناه مسمرتان على نافذة المكتب الزجاجية الكبيرة التي تنعكس عليها أضواء المدينة البعيدة. قال بصوت هادئ ومحسوب:
— “السياسيون دايماً فاكرين إن اللعبة بتنتهي بكلمتين في مؤتمر صحفي.. خليهم يلعبوا شوية يا صقر، خليني أتفرج على المحاولة دي لحد ما تخلص، وبعدين نبقى ندخل ننهي العرض في آخر دقيقة.”
​ابتسم صقر بخفة وقال:
— “أمرك يا زعيم.. بس بمناسبة العروض، في خبر وصلني النهاردة من جامعة متروبوليس.”
​التفت الزعيم ببطء، وظهر ومض اهتمام خفيف في عينيه الحادتين:
— “جامعة متروبوليس؟ إيه اللي حصل هناك تاني؟ مش العيال الثلاثة سافروا؟”
​أجاب صقر وهو يفتح ملفاً جلدياً صغيرًا:
— “العيال سافروا فعلًا، بس يبدو إن مكانك في قاعة المحاضرات ما فضلش فاضي. الإدارة جابت أستاذ جديد لمادة الاقتصاد… بيقولوا إنه صارم جداً، والطلاب أطلقوا عليه لقب جديد.”
​سأل الزعيم بفضول مصطناع:
— “ولقب إيه ده كمان؟”
​رد صقر بابتسامة واسعة:
— “سموه ‘الجلاد الصامت’.. لأن مفيش طالب بيقدر ينطق بكلمة واحدة في محاضرته، والكل بيمشي على العجين ما يلخبطوش، خوفاً ليكون مصيره زي مصير سيف وأصحابه.”
​وقف الزعيم من خلف مكتبه، وعدّل ياقة قميصه الأسود الفاخر، وابتسم ابتسامة غامضة عريضة زينت وجهه الحاد، وقال وهو يلتقط معطفه الجلدي:
— “يبدو إن الجامعة دي فيها سر غريب بيجذب النوعية دي من الأساتذة… جهّز العربية يا صقر، عندي فضول أروح أحضر المحاضرة الأولى.. بس المرة دي كـ ‘ضيف مرغوب فيه غصب عن الكل’.”الموكب الأسود تحرك بهدوء وقطع شوارع المدينة لحد ما وصل لباب جامعة “متروبوليس” الرئيسي. الحراس نزلوا بسرعة وفتحوا باب العربية الفخمة، وطلع الزعيم وهو لابس بدلة سوداء كاملة بتلمع تحت نور الشارع، وعينيه مستخبية ورا نظارة شمسية داكنة.
​الطلاب اللي كانوا واقفين قدام المبنى جمدوا في مكانهم وفتحوا بقهم من الصدمة أول ما شافوا المنظور ده، والعاملين في الجامعة جريوا يستقبلوه رعباً واهتزازاً، وهم فاكرين إنه جاي يكمل انتقام أو يشتري الجامعة كلها في ثواني.
​دخل الزعيم من بوابة القاعة الرئيسية بخطوات واثقة وواسعة، وصوت كعب حذاءه بيخبط في الأرض بخفة وعزم. فتح باب قاعة المحاضرات اللي كان بيدي فيها “الجلاد الصامت” درساً حالياً.
​الباب اتفتح ببطء شديد، وعمل صوت زقزقة خفيفة لفتت انتباه الأستاذ والطلاب كلهم. القاعة سكتت تماماً، وكل العيون بصت ناحية الباب برعب.
​لكن الأستاذة الجديدة ما اتخلعتش خالص! كانت واقفة قدام السبورة بكل ثقة، رافعة حواجبها ببرود، وماسكة كتاب الاقتصاد في إيدها من غير ما يترعش منها ملي. بصت للزعيم بنظرة حادة قوية تحدت هيبته، وقالت بصوت هادئ وواثق مالي القاعة:
— “أهلاً بيك يا زعيم المافيا.. نورنا.. بس المحاضرة للطلاب المسجلين بس، مش للضيوف الغير مرغوب فيهم.”
​الزعيم استغرب جراءتها الواضحة ووقوفها الند بالند قدامه بالشكل ده، فوقف مكانه ثواني بيحلل الشخصية دي بابتسامة إعجاب خفيفة، لحد ما قرب منها خطوتين وقلع نظارته الشمسية وبص في عينيها بتمعن.
​رفع حاجبه بتهكم وقال بصوت عميق:
— “جريئة.. ومش خايفة؟ شكلك ما سمعتيش أنا مين واللي بيحصل للي بيقف في طريقي.”
​رفعت chinها لفوق ببرود وقالت بصوت واثق متحدي:
— “ولا كأنك سمعت أنا مين.. أنا مش سيف ولا غيره، ولو فاكر إنك هترعبني بشوية رجالة وراسبتات سوداء، يبقى ما عرفتش مين ‘الجلاد الصامت’ اللي واقف قدامك.”ابتسم الزعيم ابتسامة جانبية خفيفة، وأعجبته لقتها وثباتها اللي مش معتاد وسط كل الرعب اللي بيسببه اسمه في البلد. قرب منها أكتر لحد ما بقى فاصل بينهم خطوات معدودة، ووطى صوته وهو بيقول:
​— “عجبني التحدي.. وعجبتني الشجاعة اللي من النوع ده.. بس اللعبة لسه في أولها يا دكتورة، وأنا بحب أكسر النفوس الناشفة أوي.”
​بادلته النظرة ببرود أشد وثبات أعصاب ما هزش شعرة فيها، وقالت بصوت هادئ ومستفز:
— “اتفضل استريح في آخر صف زي الطلاب الكسلانين، وسيبني أخلص محاضرتي.. الأصل، العرض هنا مش مجاني.”
​ضحك الزعيم ضحكة قصيرة وعالية نسبياً رددت جدران القاعة، لف ظهره بهدوء، وخرج من القاعة وهو حاسس إن إجازته في الجامعة دي هتبقى ممتعة أكتر بكتير مما كان متخيل، من غير ما يعرف إن وراء هذا الهدوء قنبلة موقوتة بتستعد تنفجر في وش إمبراطوريته قريباً!
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *