المعلم المسكين ا مايا خالد

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

وقف الزعيم في آخر صف، ووضع ساقاً فوق ساق، متبعاً كل حركة تقوم بها الدكتورة بثقب عينيها الحادتين. كانت محاضرتها عن “اقتصاديات الأزمات واحتكار السلطة”، وكل كلمة كانت تلقيها بدقة وكأنها توجه رسالة غير مباشرة نحوه. صقر، الذي كان واقفاً عند باب القاعة من الخارج مع الحراس، كان يتلفت حوله بقلق، مستغرباً هذا التحول غير المألوف من سيده الذي اعتاد حسم الأمور بالنار والدم لا بالجلوس على مقاعد الدراسة كأي طالب مبتدئ.
​انتهت المحاضرة، وخرج الطلاب بسرعة وهدوء مطبق خوفاً من نظرات الزعيم والجلاد الصامت معاً. وقفت الدكتورة خلف مكتبها تجمع أوراقها ببطء، ثم رفعت بصرها نحوه وقالت بصوت هادئ يحمل طابع السخرية:
— “إيه رأيك في الشرح يا زعيم؟ هل حسيت إن نظريات السوق بتنطبق على إمبراطوريتك اللي بانية قلاعها على الرمل؟”
​ابتسم الزعيم ببرود، وقام من مكانه، واقتراب بخطوات بطيئة ومنتظمة حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة منها، وقال بصوت هامس ومرعب:
— “الشرح ممتاز يا دكتورة.. بس التطبيق العملي هو اللي بيبين شاطرة من فاشلة. وخلي بالك، الأسواق بتنهار في ثانية لما يتدخل فيها ‘مستثمر’ كبير.”
​في تلك اللحظة، رن هاتف صقر بشكل متواصل من خارج القاعة، ودخل الأخير بخطوات سريعة وملامح وجه شاحبة لم يظهر عليها الرعب هكذا قط منذ سنوات. همس صقر في أذن الزعيم بصوت يتردد فيه القلق:
— “يا زعيم… كارثة! القطاع الجنوبي كله اشتعل. الحسابات السرية اتجمدت، والموانئ الإيطالية أعلنت الحجز على الشحنات.. والشخصية السياسية اللي تجاهلناها طلعت بتمثل تحالف دولي كامل.. إحنا اتحاصرنا!”
​اتسعت عين الزعيم لثانية واحدة قبل أن تختفي تلك اللحظة، وتتحول ملامحه إلى صخرة صلبة من الغضب البارد. التفت ببطء نحو الدكتورة التي كانت تتابع المشهد بابتسامة خفيفة ومستفزة وهي تطوي أوراقها في حقيبتها.
​قالت الدكتورة وهي تتجه نحو الباب ببرود أعصاب:
— “يبدو إن درس النهارده خلص بدري يا زعيم.. الاقتصاد مش مجرد فلوس، الاقتصاد هو: مين بيحرك خيوط اللعبة من وراء الستار. أهلاً بك في امتحاني الحقيقي.”
تسمَّر الزعيم في مكانه، وابتسامته الباردة تحولت إلى نظرة حادة تخترق الجدران. أدرك في تلك اللحظة أن ما حدث لم يكن مجرد صدفة أو تحدٍّ عابر من أستاذة جامعية جريئة، بل كان “فخاً” محكماً تم نصبه بدقة شديدة على مدار أسابيع، وأن “الجلاد الصامت” لم تكن سوى العقل المدبر وراء هذا التحالف الدولي الذي استهدف إمبراطورية الظل الخاصة به.
​التفت بصدمة نحوه‍ا، وكانت قد وصلت إلى باب القاعة، فتوقفت قليلاً والتفتت برأسها، وابتسمت بحدة قائلة:
— “لا تقلق يا زعيم.. الدروس التي أقدمها مجانية، لكن ثمن التخرج منها باهظ جداً. نلتقي في القمة.. أو على حافة الهاوية.”
​خرجت الدكتورة بهدوء تام، وتركته وسط عاصفة من الانهيارات المتتالية التي ضربت أركان إمبراطوريته في كافة أنحاء العالم في آن واحد.
​اقترب صقر منه بصوت يرتجف:
— “الاوامر إيه يا زعيم؟ هل نحرك رجالنا في الموانئ؟”
​رفع الزعيم يده ببطء، وظهرت على وجهه ابتسامة غامضة، جمع فيها بين الغضب العارم والإعجاب الشديد بذكاء خصمه الجديد. عدّل ياقة بدلته السوداء وقال بصوت هادئ ومكثف:
— “لا يا صقر.. اللعبة لم تنتهِ بعد. إذا كانت تريد حرباً اقتصادية على أرض الواقع، فسأظهر لها كيف يُدار السوق حقاً عندما يتحول اللاعبون إلى ملوك.”
​تحرك الزعيم بخطوات واسعة وثابتة إلى خارج القاعة، متبعاً أثرها، وعيناه تلمعان بتحدٍ جديد؛ فالمعركة الحقيقية بين “الزعيم” و”الجلاد الصامت” قد بدأت للتو، وستحدد من سيحكم عرش المدينة في النهاية.
في مكتبه الحصين بمقر قيادته السري، تحولت الشاشات العملاقة إلى اللون الأحمر، بينما كانت أرقام وحسابات إمبراطوريته تتهاوى بسرعة البرق. أدرك الزعيم أن خصمه لم يكتفِ بضربة واحدة، بل اخترق جدران شبكته المالية الأكثر سرية.
​لكن بدلاً من أن يفقد أعصابه، أخرج سيجاره الفاخر وأشعله بهدوء تام، ثم نظر إلى صقر الواقف بترقب وقال بنبرة واثقة:
— “يبدو أننا وجدنا نداً حقيقياً أخيرًا يا صقر. هي تعتقد أنها حاصرتني، لكنها نسيت شيئاً واحداً… الحيتان الكبيرة لا تموت في المياه الضحلة.”
​ضغط الزعيم على زر مخفي في طاولته الخشبية الفاخرة، لتنفتح خزانة سرية تحتوى على جهاز اتصال مشفر لا يتصل بالشبكات العامة. التقط السماعة وقال بصوت آمر:
— “افتحوا البوابة الخلفية للعبة. فعّلوا الخطة البديلة (أوميغا)، وحوّلوا جميع السيولة المتبقية من سويسرا إلى حسابات البنك المركزي الدولي تحت اسم… الدكتورة.”
​في تلك اللحظة، وفي مكتبها الهادئ بمبنى إدارة الجامعات، كانت الدكتورة تراقب الشاشات أمامها وهي تبتسم بانتصار وشيك، متوقعة أن الإمبراطورية قد سقطت. وفجأة، انطفأت الشاشات، وظهر شعار غريب باللون الأسود والأحمر يملأ الشاشة بالكامل: “تم شراء حصتكِ بالكامل.. مرحبًا بكِ في الشراكة الإجبارية.”
​اتسعت عينا الدكتورة بصدمة لأول مرة، ورن هاتفها المكتبي فوراً. رفعت السماعة ببطء، ليأتِيها صوت الزعيم الهادئ والعميق من الطرف الآخر:
— “الدرس انتهى يا دكتورة.. والآن، حان وقت توقيع العقود. هل تفضلين أن نتقاسم العرش.. أم أسحق ما تبقي من طموحكِ بقرار واحد؟”
ساد صمت مطبق في المكتب، صمت يحمل وزن عاصفة هوجاء. الدكتورة، التي طالما حافظت على جليد هدوئها وثبات أعصابها أمام أي مأزق، شعرت للمرة الأولى بقطرات عرق سردية تفر من جبينها. أنفاسها تسارعت ببطء وهي تنظر إلى شاشتها التي أصبحت مسيطرة عليها بالكامل من قِبل “الزعيم”.
​استجمعت قواها، وعدلت نظارتها الطبية، وردت بصوت يحاول استعادة جبروته المعتاد، لكنه حمل هذه المرة نبرة تحدٍ جديدة:
— “يبدو أنني قللت من شأن مهاراتك في البوكر يا زعيم.. تظن أنك بشراء الحصص أصبحت المالك؟ أنت فقط اشتريت تذكرة دخول الحرب المفتوحة.”
​جاء صوت الزعيم من الطرف الآخر هادئاً، مشبعاً ببرود واثق، وكأنه جالس أمامها يشرب قهوته المرة:
— “الحرب المفتوحة تكون مخيفة للطرفين حين تكون العواقب مجرد خسائر مالية.. لكن حين يتعلق الأمر بمستقبلكِ الأكاديمي، واسمكِ، وكل الأبحاث السرية التي بنيتِ عليها تحالفكِ.. تصبح المسألة ‘استحواذ كامل’. أنا لا أبرم صفقات يا دكتورة، أنا أفرض شروطي.”
​لم تعطِ فرصة لنفسها لتفكر طويلاً؛ فالضغط كان أعلى من أن تحتمله خطة طوارئ عادية. وقفت بقوة، وأغلقت الهاتف في وجهه دون حتى أن تودعه، وضغطت على لوحة المفاتيح بسرعة لتفعيل بروتوكول التدمير الذاتي لملفاتها، لكن الشاشة عرضت رسالة نصية واحدة باللون الأحمر الداكن:
​”محاولة متأخرة جداً.. صقر وصل.”
​قبل أن تتمكن من التحرك، انفتح باب مكتبها المنيع بهدوء تام. دخل صقر وبصحبته اثنان من الحراس، ووضع حقيبة جلدية سوداء على مكتبها مباشرة، وفتحها لتكشف عن مستندات رسمية وأوراق عقود مطبوعة وموقعة مسبقاً باسمها، وتحمل شعار شراكتهما الجديدة.
​نظر صقر إليها بابتسامة خفيفة وقال:
— “الزعيم ينتظرك في قصر النيل لتوقيع الفصل الأخير من الرواية.. وأعتقد أن البديل عن التوقيع لن يعجب طلاب الجامعة غداً.”
​نظرت الدكتورة إلى المستندات، ثم أخذت نفساً عميقاً، وأدركت أن المعركة انتهت بجولة قاسية لم تكن تتوقع خسارتها بهذه السرعة. لكن بريق التحدي لم ينطفئ في عينيها؛ رفعت رأسها وقالت بحدة:
— “بلغ الزعيم.. أن اللعبة لم تعد ممتعة إلا إذا انقلب السحر على الساحر.”
​حملت قلمها الفاخر، ووقعت على العقود ببطء وثبات، لتنطلق بعدها نحو سيارة سوداء فخمة كانت تنتظرها بالخارج، واضعتاً قدمها في عرش المافيا مباشرة، استعداداً للمواجهة الكبرى التي ستحدد من سيبقى على قمة الهرم ومن سينهار إلى الأبد.
تحركت السيارة السوداء الفخمة في شوارع المدينة المظلمة، وداخلها كانت الدكتورة تجلس بهدوء ظاهر، رغم أن عقلها كان يعمل بألف سرعة لتدبير خطوتها التالية. لم تكن امرأة ترفع الراية البيضاء بسهولة؛ فتوقيعها على العقود لم يكن استسلاماً، بل كان تذكرة عبور إلى داخل حصن العدو الأكبر.
​بعد دقائق، دخلت السيارة عبر البوابات الحديدية العملاقة لقصر النيل الحصين. فتح الحراس الأبواب، وترجلت الدكتورة بخطوات واثقة وعباءة مهيبة، لتجد الزعيم واقفاً في قاعة الاستقبال الكبرى، يحيط به هدوء القصر المريب وإضاءته الخافتة، بينما كان يحمل في يده فنجان قهوته الشهير.
​اقترب منها الزعيم بخطوات بطيئة، وابتسامة باردة تزين محياه، وقال بصوته العميق:
— “أهلاً بكِ في العقر، يا دكتورة.. أو يجب أن أقول: الشريكة الجديدة؟ خطتكِ كانت ذكية، وربما كانت لتنجح مع أي شخص آخر.. لكنكِ نسيتِ أنني لست تاجراً عادياً، أنا من أصنع القواعد.”
​نظرت إليه الدكتورة بندية كاملة، ورفعت ذقنها بقوة دون أن تظهر أي ذرة خوف، وقالت بصوت هامس يحمل وعيداً خفياً:
— “القواعد وُضعت لتكسر يا زعيم.. وما دمتُ الآن داخل القصر، فقد أصبح بإمكاني رؤية كل أسرارك الثمينة.. وتذكر أن العدو من الداخل أشد خطورة من ألف عدو على البوابات.”
​اتسعت ابتسامة الزعيم إعجاباً بهذه الشراسة المتمردة، واقترب منها حتى أصبح قريباً جداً، وهمس في أذنها بتهديد مبطن:
— “لنفترض أنكِ قادرة على فعل ذلك.. سنرى من سيلتهم الآخر أولاً. لكن قبل أن نبدأ جولتنا القادمة، هناك مأدبة عشاء بانتظارنا.. لأننا ابتداءً من هذه اللحظة، سنحكم هذه المدينة معاً، أو نهوي معاً.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *