انكر توائمه

خيانة وجبر: حكاية التوائم الخمسة والسر الذي دُفن حيًّا
الجزء الأول: ليلة لم يُغلق فيها الجرح… بل فُتح
في تلك الليلة، لم يكن صوت البكاء هو الأعلى في غرفة الولادة…
بل كان صوت الشك.
اصطفّت خمسة أسرّة صغيرة شفافة تحت ضوء أبيض قاسٍ، كأنها معروضة للمحاكمة لا للرعاية. داخل كل سرير، جسد صغير بلون داكن، يتلوّى بين أولى أنفاس الحياة، هشًّا، مجعدًا، يقاوم العالم الذي لم يفهمه بعد.
وقف طارق عند قدم الفراش.
لم يقترب.
لم يلمس.
لم ينحنِ حتى.
فقط… نظر.
نظرة طويلة، جامدة، كأن شيئًا داخله انهار… لكنه لم يسمح له بالسقوط.
على السرير، كانت لمياء شبه غائبة عن الوعي. الألم يمزق بطنها، وساقاها ترتجفان، وجسدها يئن من أثر العملية القيصرية. حلقها جاف من كثرة الصراخ، وعيناها غارقتان في تعب لا يوصف… ومع ذلك، عندما التقطت أول نظرة لأطفالها، شعرت بشيء يغمرها بالكامل.
خوف.
حب.
ذعر.
سعادة.
كلها معًا… دفعة واحدة.
اقتربت الممرضة بابتسامة دافئة، وكأنها تحاول موازنة الجو: — ألف مبروك يا مدام… ثلاثة أولاد وبنتان… حالتهم جيدة جدًا.
حاولت لمياء أن تبتسم، أن تقول شيئًا، أن تشكر… لكن صوتها خرج مكسورًا.
بحثت بعينيها عن طارق… كانت تنتظر أن تراه يبكي، أو حتى يبتسم بذهول.
لكنه لم يكن كذلك.
كان وجهه شاحبًا، فكه مشدود، وعيناه مثبتتان على الأطفال وكأنه يرى شيئًا لا يريد تصديقه.
وخلفه، وقفت الحاجة كريمة، بذقن مرفوع ونظرة باردة، كأنها كانت تترقب هذه اللحظة منذ البداية.
قالت بصوت منخفض، لكنه حاد: — طارق… بص كويس.
توقف كل شيء.
حتى الأجهزة بدت وكأنها تبطئ.
سألت لمياء بصعوبة: — في إيه؟
رفع طارق يده، وأشار نحو الأسرّة، وصوته يرتجف: — ده… مستحيل… مستحيل يكونوا أولادي.
ساد صمت ثقيل… ثم سقطت الجملة كحجر في ماء راكد.
توقفت الممرضة في مكانها، وتبادلت الأخرى نظرة سريعة معها.
أما لمياء، فشعرت وكأن الأرض انزلقت من تحتها.
— إيه اللي بتقوله يا طارق؟! — قالت وهي تحاول رفع نفسها رغم الألم — دول أولادنا! أنت عارف إن جدتي كانت سمراء… قلتلك من أول يوم!
ضحكت الحاجة كريمة ضحكة قصيرة، جافة: — جدتك حاجة… واللي قدامنا ده حاجة تانية خالص.
التفتت إليها لمياء، وعيناها تشتعلان: — ما تتكلميش عنهم كأنهم وصمة!
تراجع طارق خطوة، وكأنه لا يريد أن يكون قريبًا: — أنا اتخدعت… طول السنين دي.





