انكر توائمه

— لا! — صرخت لمياء، ودموعها تنفجر — أنا حبيتك! كنا بنخطط لكل حاجة سوا! كنت معايا في كل كشف… دهنت أوضتهم بإيدك!

— وأنا مش هربي عيال مش مني.

تدخلت الممرضة، محاولة تهدئة الموقف: — يا فندم، الوراثة ممكن—

— إنتي مالكيش دعوة! — قاطعها بعنف.

ارتجفت لمياء، ليس من الألم… بل من الغدر.

— بص عليهم يا طارق… دول لسه جايين الدنيا… محتاجينك.

لكنه لم ينظر.

لم يجرؤ.

نظر فقط إلى أمه.

رفعت الحاجة كريمة حقيبتها وقالت: — يلا نمشي… الكرامة أهم من كل حاجة.

خرج صوت لمياء ضعيفًا، لكنه حاد: — لو خرجت… مش هتسيبني بس… هتسيب خمسة أطفال.

توقف.

ثانية.

ثانيتان.

شيء في وجهه ارتجف… ربما ضمير… ربما خوف.

لكن يد أمه أمسكت بذراعه بقوة: — ما تخليش حد يبتزك.

فتح الباب.

قال دون أن يلتفت: — لما تقولي الحقيقة… ابقي دوري عليّ.

وخرج.

ظل الباب مفتوحًا للحظات… يتأرجح ببطء، كأن الغرفة نفسها ترفض ما حدث.

في تلك الليلة…

لم يبقَ أحد.

فقط أم… وخمسة أطفال.

احتضنتهم لمياء واحدًا واحدًا، تقبّل رؤوسهم، تبكي عليهم… لا منهم.

سمّتهم وهي ترتجف: أحمد… عمر… نور… مريم… يوسف.

وعندما سألتها الأخصائية الاجتماعية: — في حد من أهلك يساعدك؟

نظرت إلى الكرسي الفارغ حيث كان ينبغي أن يجلس طارق…

ثم نظرت إلى أطفالها…

وقالت بصوت مكسور: — أيوه… بس لسه ما كبرواش.

خرجت من المستشفى بلا استقبال.

لا سيارة.

لا زوج.

لا عائلة.

ساعدتها متطوعة من جمعية خيرية… أحضرت خمسة مقاعد أطفال مستعملة، وسيارة أجرة كبيرة.

كانت تمشي ببطء… بطنها يؤلمها… ذراعاها ممتلئتان… وقلبها مثقل بنظرات العالم.

وقبل أن تصعد السيارة…

سمعت صوتًا.

الحاجة كريمة… تقف على الجانب الآخر من الشارع، تتحدث في الهاتف:

— أيوه يا أم محمد… طارق خلّص من الورطة. العيال دول مش من دمنا.

تجمدت لمياء للحظة.

لم ترد.

لم تصرخ.

فقط… ضمّت يوسف — الأصغر — بقوة أكبر.

وكأنها تقول للعالم كله دون كلمة:

“حتى لو تركنا الجميع… لن أترككم.”

 

الجزء الثاني: ثلاثون عامًا… والباب يُفتح من جديد

 

مرّت ثلاثون سنة.

كبر الأطفال.

لكن تلك الليلة… لم تكبر.

بقيت كما هي… حاضرة… حادة… كأنها حدثت أمس.

وفي صباح هادئ…

طُرق الباب.

فتحت لمياء…

وتوقف الزمن.

طارق.

شعره أبيض، جسده نحيل، وجهه مرهق، وعيناه تحملان شيئًا لم يكن موجودًا قبل ثلاثين عامًا…

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *