ميراث الدم مايا خالد

ميراث الدم بقلم مايا خالد
هو أنا قلت لك تجري؟” .. الجملة دي كانت بداية كابوس مكنتش أتخيل إنه حقيقي! 💀🌲
كانت بتجري… بتجري بكل اللي فاضل فيها من نفس رجليها بتخبط في الطين، والفرعان بتخدش وشها، ونَفَسها مقطوع كأن صدرها بيتقفل عليها واحدة واحدة.
الغابة ليلها تقيل، صوت الصراصير عالي، وكل شجرة واقفة زي شاهد قبر.
هي مش فاهمة إزاي دخلت اللي شافته ده في حياتها.
كانت راجعة من الشغل، اختصرت الطريق… سمعت صوت خناق، قربت تشوف في إيه،
ولحظة واحدة قلبت عمرها.
راجل واقع على الأرض، الدم مغرق هدومه، وتلاتة واقفين فوق دماغه.
واحد فيهم لف وشه… عينهم اتقابلت.
ثانية صمت… بعدها الصرخة علقت في زورها.
جريت ودلوقتي… في صوت وراها.
صفير هادي مستفز. كأنه مش مستعجل… كأنه متأكد إنها ليه قلبها بيدق في ودنها، كل ما تفتكر عينه وهي بتبص عليها، رجليها تهتز أكتر.
تزحلق، تقع، تقوم تزحف وبعدين تجري تاني.
والصفير لسه وراها لا بيعلى ولا يوطي قريب قوي. صرخت وهي بتجري:
يا رب… يا رب… فجأة الصوت وقف.
قلبها وقف معاه لفت وشها ببطء… الغابة فاضية.
ولا حد ارتاحت نص نفس ولسه هتكمل جري
طلع قدامها. واقف، ساند على شجرة، مبتسم نص ابتسامة نفس الراجل… نفس العين الباردة.
قال بهدوء يخوف: هو أنا قلت لك تجري؟
جسمها اتجمد، لسانها تقيل، دماغها فاضية غير صورة الدم.
قرب خطوة، صوته واطي:مايا خالد
كنتي شاهدة غلط… ودي مشكلة كبيرة.
عيونها دمعت وهي بتهمس:
والله ما هقول… أنا ما شفتش حاجة.
ضحك ضحكة خفيفة، وبص للغابة حواليهم:
المشكلة مش في اللي هتقولي المشكلة إنك شوفتي مد إيده ببطء، مش عشان يلمسها، لكن عشان يزيح غصن شجرة كان فاصل بينهم. حركته كانت هادية بزيادة، لدرجة إنها مرعبة أكتر من الجري نفسه. هي كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها، وصوت نبضها بقى هو الصوت الوحيد اللي مسموع في المكان.
​”عارفة يا…” سكت لحظة كأنه بيخمن اسمها، وكمل: “عارفة إيه أوحش حاجة في الغابة دي؟ إنها بتسمع كويس، بس مابتتكلمش. يعني مهما صرختي، الشجر ده هيحتفظ بسرك للأبد.”
​رجعت خطوة لورا، خبطت في جذع شجرة وراها. مفيش مفر. سألت بصوت مرعوش ومقطوع:
“أنت.. أنت عايز مني إيه؟”
​ابتسامته وسعت، وطلع من جيبه “منديل قماش” نضيف جداً، كأنه مش طالع من جري وقتل وسط طين الغابة، وبدأ يمسح نقطة دم صغيرة كانت على طرف كمه وهو بيقول:
“عايز أصلح الغلطة. الشاهد اللي بيشوف نص الحقيقة بيبقى خطر، واللي بيشوفها كاملة بيبقى… ذكرى.”
​فجأة، الصفير رجع تاني، بس المرة دي مش منه هو. الصوت كان جاي من بعيد، من ورا الأشجار الكثيفة. عينيه لمعت بتركيز، وبص وراها للحظة، ملامحه اتغيرت من البرود لحدة غريبة.
​قرب من ودنها وهمس، لدرجة إنها حست ببرودة نفسه:
“حظك حلو.. الصيد النهاردة طلع زحمة. خليكي مكانك، لو اتنفسي.. هعرف.”
​اختفى بين الشجر كأنه مكنش موجود، وسابها واقفة متجمدة، مش عارفة هل دي فرصة للهرب، ولا دي مجرد لعبة “قط وفار” جديدة؟
ثواني مرت عليها كأنها سنين. الغابة اللي كانت من لحظة واحدة مسرح لموتها، فجأة اتحولت لساحة حرب صامتة. هي لسه متجمدة مكانها، كلامه “لو اتنفستي.. هعرف” كان لسه بيتردد في ودنها زي صدى مرعب.
​لكن غريزة البقاء كانت أقوى. أول ما غاب عن عينها، بدأت عيونها تتحرك بجنون في المكان. الصفير التاني كان بيقرب، بس المرة دي مكنش صفير “هادي”.. كان صفير متقطع، كأنها “إشارة” بين عصابة.
​التحول المفاجئ
​هي لسه هتحرك رجلها عشان تهرب في الاتجاه المعاكس، سمعت صوت “تكة” معدن وراها.. صوت تعمير طبنجة.
غمضت عينها واستسلمت للموت، لكن الصوت مجاش من ناحيته.
​جاء صوت خشن من ورا الشجر:
“لقيته يا باشا؟”
​رد صوت تالت، أبعد شوية:
“الأرض طين، مفيش غير أثر رجل واحدة.. البنت تاهت منهم.”
​هنا فهمت الحقيقة المرة؛ “الراجل صاحب العين الباردة” مكنش لوحده، والناس اللي بتدور دلوقتي مش بيدوروا عليها هي بس.. دول بيدوروا “عليه” هو كمان! هو مكنش الصياد الوحيد في الغابة، كان فيه صراع هي وقعت في وسطه.فجأة، إيد قوية اتكتمت على بوقها وسحبتها بعنف لورا شجرة ضخمة. كانت لسه هتصرخ، بس شافت عينه الباردة قريبة جداً من وشها. حط صباعه على شفايفه بحركة آمرة بالسكوت.
​همس في ودنها وصوته المرة دي فيه “هسيس” تعبان:
“لو فتحتي بوقك، الرصاصة اللي هتدخل في راسي.. التانية هتكون في قلبك. هما مش جايين ينقذوكي.. هما جايين يمسحوا أي حد شاف اللي حصل، وأنا وأنتي دلوقتي في نفس المركب.”
​بصت له بذهول.. القاتل اللي كان من دقيقة بيحكم موتها، دلوقتي هو “درعها” الوحيد ضد خطر أكبر بكتير.
​الغابة مابقتش هادية؛ صوت خطوات تقيلة بتقرب، وكشافات نور بدأت تضرب في الشجر وتقرب من مكانهم.
​قال لها وهو بيطلع سكين صغير من جزمة الصيد بتاعته:
“دلوقتي.. هتجري. بس مش بعبط المرة اللي فاتت. هتجري ناحية المنحدر، وأول ما تسمعي أول طلقة.. ارمي نفسك في الميه. فاهمة؟”
​هزت رأسها برعب، وهي مش عارفة تثق في “شيطان” عشان تهرب من “شياطين” تانية، ولا الغابة لسه مخبية لها مفاجأة تالتة.”ليلى…”
نطق اسمها لأول مرة. جمدت مكانها.. هي مقالتش اسمها!
بصلها بابتسامة باهتة وقال: “أنا عارف كنت براقب مين في المشوار ده.. الجري مكنش صدقة.”الجملة وقعت عليها زي الصاعقة. “ليلى”.. هو عارف اسمها! يعني كل اللي فات ده، خروجها من الشغل، اختصارها للطريق، رؤيتها للجري*مة.. مكنش “صدفة” زي ما كانت فاكرة.
​نظراته الباردة كانت بتقول إنها كانت جزء من الخطة، بس هي اللي بدلت الأدوار وبقت “طريدة” بدل ما تكون “هدف” ساكن.

​قبل ما تستوعب الصدمة، كشاف نور قوي ضرب في جذع الشجرة اللي مستخبيين وراها. صوت الرصاص بدأ يدوي في المكان، بيقطع خشب الشجر ويصفر فوق روسهم.
​”دلوقتي!” صرخ فيها وهو بيزقها بقوة ناحية المنحدر.مايا خالد
​ليلى جريت، بس المرة دي مكنتش بتجري من الخوف، كانت بتجري من الحقيقة اللي بدأت تتكشف. وراها، سمعت صوت اشتباك عنيف.. صوت ضرب نار متبادل وصريخ وجع. لفت وشها لثانية واحدة، شافت “صاحب العين الباردة” واقف في نص النور، بيضرب نار بدقة مرعبة وهو مش مهتم بحياته، كأنه بيشتري لها “وقت” عشان تهرب.
​عند حافة المنحدر
​وصلت لحافة المنحدر، الميه تحت كانت سودة وبتغلي من سرعة التيار. وقفت مترددة، الهوا بيخبط في وشها، وصوت الرصاص وراها لسه مخلصش.
​فجأة، صوت الخطوات قرب جداً. واحد من التلاتة اللي شافوا الجري*مة ظهر من بين الشجر، وشه كان متغطي بالدم، وماسك مسد*سه وموجهه ناحيتها.
​”فكّرتي إنك هتهربي؟ هو فاكر إنه بيحميكي، بس هو بس بيأجل موتك.”
​ضحك الراجل ضحكة مريضة وهو بيقرب منها:
“سلمينا اللي هو ادهولك يا ليلى.. وهرجعك لبيتك.”
​ليلى برقت بعيونها.. “ادهولي؟” هي مخدتش منه حاجة! ولا كانت فاكرة إنها خدت حاجة. حطت إيدها في جيب بالطو الشغل بتلقائية.. ولمست “حاجة” معدن، باردة وصغيرة، مكنتش موجودة الصبح وهي خارجة.

​في اللحظة دي، شافت “صاحب العين الباردة” طالع من ورا الراجل زي الشبح. كان غرقان دم، وسانده ذراعه المصاب، بس عينيه لسه ثابتة.
​بص لليلى نظرة أخيرة، نظرة كانت غريبة.. فيها ندم؟ ولا فيها تحذير؟
وبصوت عالي هز أركان المكان صرخ:
“نطي يا ليلى! نطي وماتثقيش في حد!”
​ومع آخر كلمة، ضغط على الزناد.
​دلوقتي ليلى في الميه، ومعاها “السر” اللي الكل بيدور عليه في جيبها.. رمت نفسها في الفراغ. السقوط كان طويل لدرجة إنها حست إن روحها بتتسحب منها قبل ما تخبط في الميه. البرودة كانت زي السكاكين بتغرز في جسمها، والتيار كان أقوى من أي مقاومة. حاولت تطلع لوش الميه، بس الدومامات كانت بتشدها لتحت، والغابة بدأت تتلاشى فوقيها وتتحول لخطوط سودة مهزوزة.
​فضلت تصارع لحد ما جسمها خبط في صخرة، وبعدها الدنيا اسودت تماماً.
​فتحت عينها بصعوبة. أول حاجة شمتها كانت ريحة بخور تقيلة، وريحة طينة مبلولة. كانت نايمة على أرضية خشبية خشنة، ومغطاة ببطانية صوف قديمة. حاولت تقوم، بس وجع جسمها صرخ فيها تقعد.
​”لو مكانك.. ماحاولش أتحرك.”
​الصوت كان لست عجوزة، قاعدة في ركن الأوضة، بتطحن حاجة في هون فخار. الأوضة كانت عبارة عن كوخ صغير، متهالك، مليان أعشاب متعلقة في السقف.
​ليلى افتكرت فجأة.. حطت إيدها بلهفة على جيب البالطو. كان مبلول، بس “الحاجة” لسه جواه. طلعتها بصباع بيترعش. كان “فلاش ميموري” (Flash Drive) فضي صغير، وعليه علامة غريبة محفورة.. نفس العلامة اللي كانت موجودة على “خاتم” الراجل صاحب العين الباردة.
​العجوزة بصت للفلاش في إيد ليلى، وقالت بهدوء:
“ده اللي بسببه الغابة مابطلتش صريخ طول الليل. الناس اللي بيدوروا عليكي بره مش شرطة يا بنتي.. ولا حتى عصابة عادية.”
​ليلى سألتها بصوت مبحوح: “أنتي مين؟ والراجل اللي كان معايا.. حصل له إيه؟”
​العجوزة ضحكت ضحكة مكتومة وبصت للشباك: “الراجل ده دفع تمن غالي عشان توصلي هنا. أما أنا.. فأنا اللي الغابة بتسيبهم يعيشوا عشان يحكوا اللي شافوه.”
​فجأة، سمعوا صوت عربيات تقيلة بتقرب من الكوخ. النور بتاع الكشافات بدأ يخترق الشقوق اللي في الخشب. ليلى اتنفضت من مكانها، بس العجوزة شاورت لها تسكت، وقامت وقفت ورا الباب وهي ماسكة فأس قديم.
​”خبي الفلاش ده في مكان محدش يتوقعه.. حتى عقلك نفسه لازم ينسى مكانه.”
​الباب خبط تلات خبطات قوية.. خبطات منظمة.. مش خبطات حد بيدور على هارب، دي خبطات حد “واثق” إن اللي بيدور عليه جوه.
​ليلى بصت للفلاش، وبصت للست، وفي لحظة جنون، قررت إنها مش هتجري تاني. فتحت بوقها كأنها هتتكلم، بس سمعت صوت “الصفير” الهادي تاني.. المرة دي كان طالع من “جهاز لاسلكي” مع حد واقف ورا الباب مباشرة.
​الصوت قال من ورا الباب: “ليلى.. افتحي. أحسن لك ولينا. إحنا عارفين إن ‘ياسين’ هو اللي إداكي الأمانة.”مايا خالد
​ياسين؟ ده كان اسم صاحب العين الباردة؟
ليلى رجعت لورا، وقررت إنها لازم تعرف إيه اللي على الفلاش ده قبل ما أي حد فيهم يوصل لها، حتى لو ده هيكلفها حياتها. لمحت “لابتوب” قديم ومغبر مركون تحت سرير العجوزة.سحبت اللابتوب بلهفة مرعوبة، إيدها كانت بتترعش وهي بتمسح التراب عن الشاشة. العجوزة كانت واقفة عند الباب زي الصنم، مابتحركش غير عيونها اللي بتراقب الشقوق.
​وضعت الفلاشة في الجهاز. الشاشة نورت ببطء، وصوت المروحة بتاعة اللابتوب كان عالي في هدوء الكوخ القاتل. ظهر ملف واحد بس، محمي بكلمة سر.
​الخبط على الباب بقى أعنف، وصوت من بره زعق:
“عشر ثواني يا ليلى.. لو الباب ما اتفتحش، هنحرق الكوخ باللي فيه!”
​ليلى بصت للشاشة بضياع.. “كلمة السر إيه؟”. افتكرت آخر نظرة لـ “ياسين”، افتكرت صوته وهو بيقول اسمها لأول مرة. جربت تكتب اسمها.. غلط. جربت تاريخ اليوم.. غلط.
​فجأة، افتكرت “الصفير”. النغمة اللي كان بيصفرها مكنتش مجرد لحن، كانت نغمة منتظمة، أربع دقات قصيرة وواحدة طويلة. بصت للوحة المفاتيح، ولمحت حروف محفورة بجانب الأرقام. كتبت الشفرة اللي استنتجتها من اللحن..
​فتح الملف.
​عينها برقت وهي بتشوف قدامها كشوفات بأسماء، وصور لعمليات شحن، وفيديوهات قصيرة. لكن اللي وقف قلبها فعلاً كان فيديو متصور من بعيد.. فيديو بيظهر فيه “ياسين” وهو بيقتل الراجل اللي شافته في الغابة.
​بس الحقيقة مكنتش زي ما شافت. في الفيديو، الراجل اللي اتقتل كان بيحاول يفجر “مخزن” فيه أطفال.. وياسين مكنش بيقتله بدم بارد، ياسين كان بيوقفه.
​”ياسين مش قاتل.. ياسين كان بيحمي حاجة أكبر،” همست ليلى لنفسها والدموع في عينها.
​فجأة، الباب اتكسر.
​العجوزة اترمت لورا، ودخل تلات رجال ببدلات سوداء، ملامحهم خالية من أي تعبير. واحد منهم قرب من ليلى، وبص للشاشة بابتسامة صفراء:
“شفتي كتير يا ليلى.. ودي كانت غلطة ياسين الوحيدة. إنه افتكر إن واحدة زيك ممكن تشيل سر زي ده.”
​رفع مسد*سه، وصوبه لراسها. ليلى غمضت عينها، بس المرة دي مكنتش خايفة. حطت إيدها على زرار في اللابتوب كانت مجهزاه.. زرار “إرسال”.
​”الملف ده وصل دلوقتي لـ 10 وكالات أنباء.. و5 مراكز شرطة دولية،” قالتها ليلى بصوت ثابت لأول مرة، وهي بتبص في عينه بتحدي. “لو موتوني، السر مش هيموت معايا.”
​الراجل اتجمد مكانه، ملامحه اتغيرت للقلق. وفجأة، من وسط الأشجار بره الكوخ، رجع “الصفير” تاني. بس المرة دي كان صوته عالي، حاد، وكأنه جيش كامل بيقرب.
​دخل ياسين من الباب المكسور، هدومه كانت عبارة عن قطع قماش غرقانة دم، وماسك في إيده قنبلة يدوية منزوعة الفتيل. بص لليلى وقال بضحكة تعبانة:
“قلت لك ما تثقيش في حد.. حتى فيا.”
​بص للرجالة اللي واقفين وقال ببرود:
“ارمو السل*اح.. الغابة خلاص مابقتش ملككم.”
​دلوقتي ليلى وياسين محاصرين بالرجالة جوه الكوخ، والقنبلة في إيد ياسين هي اللي بتتحكم في اللعبة.. الرجالة تراجعوا خطوة لورا، عينهم متثبتة على القنبلة اللي في إيد ياسين وعلى ملامحه اللي بتقول إنه بايع الدنيا. الصمت اللي ساد كان مرعب، لدرجة إن طنين ودن ليلى كان مسموع في دماغها.
​”نزل القنبلة يا ياسين.. إنت عارف إنك مش هتخرج منها حي،” نطق واحد منهم بصوت بيحاول يخليه ثابت، بس رعشة إيده فضحته.
​ياسين ضحك، المرة دي الضحكة كانت طالعة من وسط وجعه:
“ومين قال لك إني عايز أخرج؟ أنا طالع من الغابة دي من زمان.. ميت.”
​التفت لليلى من غير ما يشيل عينه من عليهم، وقال بهمس حاد:
“أول ما أتحرك.. اطلعي من الشباك اللي وراكي. فيه طريق صغير ورا الكوخ، آخره طريق سريع. ماتبصيش وراكي مهما سمعتي.”
​”مش هسيبك،” ليلى قالتها وهي حاسة إنها بتغرق تاني، بس المرة دي مش في ميه، في شعور بالذنب تجاه الراجل اللي حياته انتهت عشان يحمي سرها.
​ياسين بص لها بحدة، وبنبرة خالية من أي مشاعر قال:
“لو فضلتي، كل اللي عملته هيروح بلاش. الملفات اللي بعتيها محتاجة حد يثبتها.. أنتي الشاهدة الوحيدة.”
​فجأة، ياسين اتحرك بسرعة البرق. حدف “كرسي” خشب ناحية الكشافات اللي في إيدهم، وفي نفس اللحظة اللي الدنيا ضلمت فيها، صرخ:
“اجري يا ليلى!”
​ليلى نطت من الشباك، وقعت على الطينة وبدأت تجري بكل قوتها. وراها، الكوخ اتحول لساحة حرب. صريخ، ضرب نار عشوائي، وبعدين…
​دوي انفجار هز الأرض تحت رجليها.
​النار نورت الغابة كلها لثواني، والحرارة لسعت ضهرها. لفت وشها غصب عنها، شافت الكوخ بيتحول لرماد. مفيش حد خرج. مفيش صوت صفير. مفيش عين باردة بتراقبها.
​فضلت تجري وهي بتعيط، لحد ما وصلت فعلاً للطريق السريع. كشافات عربية نقل كبيرة كانت جاية من بعيد. وقفت في نص الطريق، رافعة إيدها الملطخة بالطينة والدم.
​العربية وقفت بفرملة قوية. السواق نزل وهو مخضوض:
“يا ساتر يا رب! أنتي مين يا بنتي؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟”
​ليلى ماردتش.. كانت بتبص على الغابة اللي وراها. طلعت الفلاشة من جيبها، ضغطت عليها بقوة، وقالت بصوت ميت:
“أنا الشاهدة.. أنا اللي شفت الغابة وهي بتسكت.”
​بعد مرور شهر
​ليلى قاعدة في كافيتريا هادية، قدامها جريدة بعنوان عريض: “تفكيك أكبر شبكة اتجار دولية.. ومقتل العميل ‘ياسين’ بطل العملية.”
​فتحت شنطتها عشان تحاسب، لقت ورقة صغيرة مطوية، كانت موجودة في جيب بالطو الشغل اللي لسه مالحقتش تغسله من يومها. فتحتها بطلوع الروح.
​الورقة كان مكتوب فيها جملة واحدة بخط إيد سريع وباهت:
“كنت عارف إنك هتفتحي الفلاش.. الصفير مكنش كود، الصفير كان عشان أتأكد إنك لسه بتسمعي.. عشان تفضلي صاحية.”
​وفجأة.. سمعت “صفير” هادي جاي من الطاولة اللي وراها. نفس اللحن. أربع دقات قصيرة وواحدة طويلة.
​ليلى اتجمدت مكانها.. مابصتش وراها، بس ابتسامة مهزوزة رسمت وشها، ودمعة واحدة نزلت على الجريدة.
​ليلى فضلت باصة قدامها، خايفة تلف وشها يطلع مجرد تهيؤات من “تروما” الغابة، أو الأسوأ.. يطلع حد تاني من العصابة بيلاعبها بنفس الطريقة.
​الصفير اتكرر، لكن المرة دي كان فيه نبرة “عتاب” خفيفة، كأنه بينادي عليها بجد. لفت راسها ببطء شديد، قلبها كان بيدق في زورها.
​على الطاولة اللي وراها، كان قاعد راجل لابس كاب نازل على عينه، وماسك فنجان قهوة بإيد متغطية بشاش طبي ونقط دم ناشفة. رفع عينه وبص لها.. نفس العين الباردة، بس المرة دي كان فيها “لمعة” حياة لأول مرة.
​”القهوة هنا سكرها زيادة.. مابحبهاش،” قالها بصوت هادي، كأنه مكنش من شهر وسط انفجار وموت.
​ليلى مكنتش قادرة تنطق، سحبت الكرسي وقعدت قدامه وهي مش مصدقة: “إزاي؟ أنا شفت الكوخ وهو بيولع.. أنت كنت جواه!”
​ياسين نزل الكاب شوية، ومال بجسمه عليها وهمس:
“الغابة اللي علمتك تهربي، علمتني إزاي أختفي. القنبلة كانت دخان وصوت بس، عشان هما يفتكروا إن الموضوع انتهى.. وأنا أقدر أمشي في النور من غير ما حد يدور ورايا.”
​بص للجريدة اللي قدامها وكمل: “نشرك للملفات كان حركة غبية.. بس شجاعة. لولا اللي عملتيه، كان زماني لسه بجري وسط الشجر.”
​ليلى سألته بلهفة: “يعني خلاص؟ إحنا في أمان؟”
​ياسين سكت لحظة، وبص للشباك الكبير بتاع الكافيتريا اللي كاشف الشارع كله، وقال بنبرة رجعت لبرودها القديم:
“الأمان ده كلمة واسعة قوي يا ليلى. الناس اللي فضحناهم ليهم ديول في كل حتة. أنا مش هنا عشان أشرب قهوة وأقولك حمد لله على السلامة..”
​طلع من جيبه “مفتاح” صغير وحطه على التربيزة وزقه ناحيتها:
“أنا هنا عشان أقولك إن اللعبة مخلصتش.. الملفات اللي كانت على الفلاش كان ناقصها ‘المفتاح’ ده. فيه خزانة في بنك وسط البلد باسمك.. فيها الحقيقة اللي هتحميكي بجد، أو هتنهي حياتنا إحنا الاتنين.”
​قام وقف، وعدل الكاب بتاعه، وقبل ما يمشي ميل على ودنها وقال:
“المرة دي مش هصفر لك.. المرة دي لو شفتيني، ماتعرفينيش.”
​اختفى وسط الزحمة في ثواني، وساب ليلى قدام اختيار أصعب من الجري في الغابة: هل تاخد المفتاح وتكمل طريق “ياسين” اللي كله دم وألغاز؟ ولا تسيب المفتاح مكانه وتمشي وتنسى إنها في يوم من الأيام كانت شاهدة؟
​بصت للمفتاح، ولمست ملمسه البارد، وخدت قرارها.
​ليلى محطتش المفتاح في شنطتها.. ليلى قفلت عليه كف إيدها بقوة لدرجة إن حروفه علمت في جلدها. مكنتش محتاجة تفكير، الفضول اللي وصلها لحافة الموت في الغابة هو نفسه اللي كان بيزقها دلوقتي لآخر الطريق.
​نزلت من الكافيتريا، الدنيا كانت مطر خفيف، والجو فيه برودة بتفكرها بليلة الهرب. وصلت البنك، خطواتها كانت مسموعة في الصالة الرخامية الواسعة. الموظف بص للمفتاح، وبعدين بص لبطاقتها، وطلب منها تستنى.
​بعد عشر دقائق، كانت واقفة لوحدها في “غرفة الخزائن” تحت الأرض. هدوء قاتل، وريحة ورق قديم ومعدن. حطت المفتاح في الخزنة رقم (709)، لفت المفتاح.. سمعت “تكة” فتح القفل.
​سحبت الدرج المعدني وهي بتكتم نفسها.
مفيش فلوس، مفيش مستندات تانية، مفيش فلاشات.
​كان فيه “ظرف” أسود مقفول بالشمع، وجنبه ساعة يد رجالي قديمة، مكسورة، وعليها آثار حرق.
فتحت الظرف بإيد بتترعش، لقت جواه صورة فوتوغرافية قديمة.. صورة بتجمع تلات أطفال واقفين قدام ملجأ، ووراهم مكتوب بخط إيد طفولي: “الإخوة لا يفترقون”.
​قلبت الصورة.. لقت أسماء الأطفال: (ياسين.. ليلى.. وعمر).
​الدنيا بدأت تدور بليلى. “ليلى”؟ أنا؟
هي مابتعرفش حاجة عن طفولتها قبل سن السبع سنين، أهلها اللي ربوها قالوا لها إنهم اتبنوها بعد حادثة. بدأت الصور تتجمع في دماغها زي قطع “البازل” الناقصة. ياسين مكنش بيحميها عشان هي “شاهدة” صدفة.. ياسين كان بيحمي أخته!
​في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات هادية وراها.
صوت جزمة جلد منتظمة على الرخام.
لفت وشها.. مكنش ياسين.
​كان الراجل التالت اللي كان واقف فوق الج*ثة في الغابة، اللي كان بيطاردها مع الرجالة في الكوخ. بس المرة دي مكنش لابس بدلة، كان لابس زي رسمي.. رتبة عالية في جهة سيادية.
​بص للصورة اللي في إيدها وقال بهدوء مخيف:
“ياسين دايماً كان عاطفي زيادة عن اللزوم.. وده اللي خلاه يفتكر إنه يقدر يهرب بيكي من الماضي. أهلاً بيكي في بيتك يا ليلى.. أو خليني أقول: الأخت الصغيرة اللي ضاعت مننا.”
​ليلى رجعت لورا وهي ضامة الصورة لصدرها: “أنت مين؟”
​ضحك وقال: “أنا ‘عمر’.. الطفل التالت اللي في الصورة. وياسين مضحاش بنفسه عشان يحميكي مني.. ياسين سلمك ليا عشان عارف إن ده المكان الوحيد اللي هتكوني فيه تحت عيني.”
​طلعت ليلى الموبايل عشان تتصل بياسين، بس عمر كمل ببرود:
“ياسين مابيردش على حد دلوقتي.. ياسين “نفذ المهمة” وسلم الأمانة. الفلاشة اللي بعتيها للإعلام؟ دي كانت فلاشة وهمية، والملفات اللي شفتيها كانت مجرد طعم عشان نجرجرك لهنا من غير ما تشكي.”
​ليلى حست إن الغابة كانت أرحم بكتير من الحقيقة دي. ياسين اللي وثقت فيه، طلع هو “الصياد” اللي ساقها للمصيدة برضاها.
​بصت للمفتاح اللي في إيدها، وبصت لعمر اللي بيقرب منها، وقالت بصوت مشروخ:
“والج*ثة اللي كانت في الغابة؟”
​عمر قرب وهمس في ودنها:
“ده كان الراجل اللي خبّاكي عنا ٢٠ سنة.. ياسين قتله، وأنتي كنتي الشاهدة على ‘العدالة’ مش على الجري*مة.”
​فجأة، نور الغرفة انطفى.. وسمعت صوت “صفير” جاي من فتحات التهوية.
بس المرة دي، الصفير مكنش هادي.
كان صفير “إنذار”.. حاد وطويل.النور المقطوع حوّل غرفة الخزائن لقبر معدني ضيق. ليلى كانت سامعة صوت نَفَس “عمر” القريب منها، وصوت “الصفير” اللي بيخترق ودنها. فجأة، حست بحد بيشدها من دراعها بقوة، بس المرة دي مكنتش شدة عدوانية، كانت سحبة سريعة لزاوية ضلمة ورا صفوف الخزائن.
​”ما تنطقيش ولا حرف،” الهمس ده كان لـ “ياسين”.
​ليلى كانت هتتجنن: “أنت معاهم ولا معايا؟ عمر بيقول إنك سلمتني!”
​ياسين ضغط على دراعها عشان تسكت، ولمحت في الضلمة لمعة سلا*حه وهو بيوجهه ناحية الباب: “عمر باع كل حاجة يا ليلى.. باع الصورة اللي في إيدك، وباع الدم اللي بينا. أنا سقتك لهنا عشان دي الحتة الوحيدة اللي “السيستم” بتاعهم مابيقدرش يسجله.. دي الغرفة الميتة.”
​عمر بره كان بينادي بصوت واثق وهو بيتحرك في الضلمة: “ياسين.. بلاش جنان. إنت عارف إن الخروج من هنا مستحيل. سلمها وهتاخد مكانك اللي تستحقه. إحنا مش أعداء، إحنا عيلة!”
​ياسين رد بصوت عالي وهو بيضرب نار في الهوا عشان يربكهم: “العيلة مابتقتلش الراجل اللي ربى أختهم يا عمر! إنت بقيت نسخة من اللي كنا بنحاربهم.”
​ياسين شد ليلى وفتح خزانة تانية بمفتاح كان معاه، وطلع منها “جهاز لاسلكي” صغير وضغطه في إيدها: “المفتاح اللي معاكي مش لبنك.. المفتاح ده فيه شريحة تتبع لـ “مخزن” حقيقي تحت الأرض في الغابة اللي كنتي فيها. عمر فاكر إن الحقيقة هنا، بس الحقيقة مدفونة تحت الشجرة اللي شفتيني عندها أول مرة.”
​”أنا لازم أمشي؟” سألت ليلى بدموع.
​”إنتي لازم تنهي اللي بدأناه،” ياسين زقها ناحية ممر طوارئ ضيق ورا الخزائن، “عمر مش هيقتلك، هو عايزك “رهينة” عشان يكسرني. اجري يا ليلى.. وللمرة الأخيرة، ماتثقيش في حد بيصفر في الضلمة.”
​ليلى جريت في الممر الضيق، وسمعت وراها صوت اشتباك عنيف.. صوت تكسير رخام ورصاص حي. خرجت من باب خلفي للبنك لقيت نفسها في زقاق ضيق، والمطر بقى سيول.
​طلعت المفتاح من جيبها.. بصت له. كان فيه زرار صغير جداً على جنبه. ضغطت عليه، المفتاح نور بضوء أحمر خافت، وبدأ يظهر على شاشته الصغيرة “خريطة” بتتحرك.
​الخريطة مكنتش بتوديها للغابة.. الخريطة كانت بتوديها لـ “قسم الشرطة” اللي هي كانت بتهرب منه طول حياتها.
​فهمت ليلى في اللحظة دي إن ياسين كان بيلعب لعبة “شطرنج” مع عمر، وإنه خلاها هي “الوزير” اللي هيحسم الدور. التفتت وشافت عربيات سوداء بتهجم على الزقاق.
​ليلى مابقتش بتجري بخوف.. كانت بتجري بتحدي. وصلت لباب القسم، دخلت وهي غرقانة ميه وطينة، ورمت المفتاح والصورة على مكتب المأمور اللي كان قاعد مذهول.
​”أنا ليلى… وعايزة أبلغ عن جري*مة بدأت من 20 سنة ومخلصتش لحد النهاردة.”
​فجأة، تليفون المكتب رن. المأمور رد، وشه جاب ألوان، وبص لليلى برعب وهو بيحط السماعة:
“يا آنسة ليلى.. فيه مكالمة ليكي من “ياسين”.”
​خدت السماعة بإيد بتترعش، جالها صوت ياسين وهو بينهج:
“بصي وراكي يا ليلى.”
​لفت وشها، شافت شاشة التليفزيون بتاعة القسم بتذيع خبر عاجل: “انفجار ضخم في مبنى بنك وسط البلد.. ولا توجد أنباء عن ناجين.”
​ياسين كمل على السماعة ببرود يجمّد الدم:
“دلوقتي اللعبة خلصت رسمياً.. أنتي حرة. بس افتكري.. الغابة مابتنساش.”
​السماعة قطعت.. وليلى وقفت في نص القسم، وحيدة، ومعاها سر يهد بلد، وصورة تلات أطفال مابقاش فاضل منهم غيرها.
​دي كانت نهاية الحكاية.. “ليلى” الوحيدة اللي نجت بذاكرة محطمة وحقيقة مرة. المأمور نزل السماعة ببطء، وعيونه متثبتة على ليلى كأنه بيشوف شبح. الصمت في القسم كان تقيل، مفيش غير صوت المطر اللي بيخبط في الشبابيك، وصوت المذيعة في التليفزيون وهي بتوصف حجم الحريق في البنك.
​”آنسة ليلى.. أنتِ لازم تيجي معايا حالاً،” المأمور قالها بصوت فيه نبرة غريبة، مكنتش نبرة حماية، كانت نبرة “أمر”.
​ليلى حست بالخطر. “ياسين” قال لها في المكالمة “بصي وراكي” قبل ما الخبر يتذاع. بصت للمفتاح والصورة اللي على المكتب.. ولمحت “اللوجو” اللي على بدلة المأمور. نفس العلامة المحفورة على الفلاشة.. نفس علامة “عمر”.
​القسم كله مكنش مكان آمن، القسم كان “العرين” بتاعهم.
​”مش هروح في حتة،” قالتها ليلى وهي بتسحب المفتاح والصورة بسرعة.
​في ثانية واحدة، القسم كله اتحول. العساكر اللي كانوا بيتحركوا بملل وقفوا وانتبهوا ناحيتها. المأمور مد إيده للسلا*ح اللي في جنبه، لكن قبل ما يسحبه، النور قطع في القسم كله.
​صوت “تكة” كهرباء، وبعدين هدوء تام.
​ومن وسط الضلمة، جه صوت “صفير” هادي.. بس المرة دي مكنش جاي من سماعة ولا لاسلكي. الصوت كان جاي من “المنور” بتاع القسم.
​”ليلى.. انزلي الأرض!”
​ده كان صوت ياسين! هو ممتش في الانفجار؟
ليلى اترمت ورا المكتب، وفي نفس اللحظة قنبلة غاز اترميت في نص الصالة. الدخان ملى المكان، وصوت ضرب النار بدأ يقطع الهدوء. ليلى كانت بتزحف وهي مش شايفة حاجة، لحد ما إيد قوية مسكتها وشدتها من هدومها.
​”قلت لك ماتعرفينيش لو شفتيني،” ياسين همس في ودنها وهو لابس قناع غاز، “بس الظاهر إنك مابتسمعيش الكلام.”
​سحبها من ممر خلفي ضيق، وخرجوا لساحة القسم ورا. كان فيه عربية سودة مستنية، والمحرك بتاعها داير.
​”ياسين.. إيه اللي بيحصل؟ عمر فين؟” سألته وهي بتركب العربية.
​ياسين دور العربية وطار بيها وسط الشوارع الغرقانة مطر:
“عمر هو اللي فجر البنك عشان يمسح أثره، وهو اللي باعت الرجالة دول للقسم. هو فاكر إنك معاكي ‘المفتاح التاني’.. المفتاح اللي يفتح الصندوق الأسود بتاع العمليات كلها.”
​”أنا مبعرفش حاجة عن مفتاح تاني!” صرخت ليلى بانهيار.
​ياسين بص لها في المراية، وعينه كانت مليانة وجع:
“المفتاح مش حاجة بتتمسك يا ليلى.. المفتاح هو ‘أنتي’. العملية كانت محتاجة بصمة عينك وصوتك عشان تتفعل. هما استنوكي تكبري عشان يوصلوا للورث اللي سابه ‘الراجل’ اللي ربّاكِ.”
​وقف العربية فجأة قدام بيت قديم ومتهالك على أطراف المدينة.
“البيت ده فيه الحقيقة الأخيرة. لو دخلتي، مفيش رجوع لليلى القديمة تاني. هتكوني ‘الزعيمة’ أو ‘الضحية’.. الاختيار ليكي.”
​ياسين نزل وفتح لها الباب، وشاور لها على مدخل البيت اللي كان بابه مفتوح ومورب، والنور اللي طالع منه لونه أحمر خافت.​دلوقتي ليلى قدام باب “الماضي” اللي هيفتح لها “المستقبل”..ليلى وقفت قدام الباب المورب، الهوا البارد بيزقها لجوه والشكوك بتنهش في عقلها. بصت لياسين بصه أخيرة، كان واقف زي الظل، ملامحه مش باينة تحت ضوء أعمدة الإنارة المهزوز، بس إيده كانت لسه على مقبض الباب، كأنه بيعرض عليها تذكرة لدخول الجحيم.
​”ادخلي يا ليلى.. مفيش وقت.”
​خطت أول خطوة. البيت من جوه مكنش مجرد بيت قديم؛ كان أشبه بـ “متحف” مرعب لذكراها. الحيطان كانت متغطية بصور ليها في كل مراحل عمرها.. وهي في المدرسة، وهي بتضحك مع أصحابها، وهي راجعة من الشغل. هما مكنوش بس مراقبينها، هما كانوا “عايشين” معاها من غير ما تعرف.
​في نص الصالة، كان فيه مكتبة خشبية ضخمة، وفي وسطها شاشة كمبيوتر عملاقة نورت أول ما ليلى قربت منها.
​”تم التعرف على البصمة الحيوية.. أهلاً بكِ يا ليلى.”
​صوت آلي بارد طلع من السماعات. ياسين دخل وراها وقفل الباب بالمزلاج، ووقف وضهره للباب وسلا*حه في إيده.
​”ياسين.. إيه ده؟” همست وهي بتبص على الملفات اللي بدأت تظهر على الشاشة تلقائياً.
​”ده ‘الميراث’ يا ليلى،” ياسين قال بصوت مكتوم. “الراجل اللي ربّاكِ مكنش مجرد شخص عادي خباكي مننا.. ده كان المهندس اللي صمم النظام ده كله. نظام بيتحكم في اقتصاديات، وأسماء، وصفقات.. نظام ‘الغابة’ اللي إحنا مجرد تروس فيه. ولما مات، قفل النظام ده بشفرة مابتفتحش غير بيكي.”
​فجأة، الشاشة عرضت فيديو “بث مباشر”.
ظهر عمر. كان قاعد في مكان غريب، وراه شاشات كتير، وعلى وشه جرح جديد نازف.
​”برافو يا ياسين.. عرفت توصلها للبيت،” عمر قالها بابتسامة نصر مستفزة من خلال الشاشة. “ليلى.. ماتسمعيش كلامه. ياسين مش عايز يحميكي، ياسين عايز ‘الكود’ عشان يبيع النظام ده للمنافسين ويهرب. أنا اللي بحافظ على كيان العيلة!”
​ياسين ماردش، فضل باصص للباب بتركيز.
ليلى لقت نفسها في نص “شد وجذب” بين أخين، كل واحد فيهم بيدعي إنه بيحميها وهو في الحقيقة عايز “المفتاح” اللي في عيونها وصوتها.
​”ليلى،” عمر صرخ في الشاشة، “لو فعلتِ النظام دلوقتي، هتمسحي كل جرايمنا.. وهنبدأ من جديد. إنتي اللي هتكوني في القمة. فكري في القوة اللي هتكون في إيدك!”
​بصت ليلى لياسين: “إنت عايز الكود يا ياسين؟”
​ياسين لف وشه ليها، وعيونه كانت غرقانة دموع: “أنا عايز ‘النهاية’ يا ليلى. النظام ده لو اتفتح، العالم اللي بره ده هيتحرق. ولو اتقفل للأبد، إحنا التلاتة لازم نختفي.. عشان السر يموت معانا.”
​فجأة، سمعوا صوت “هليكوبتر” بتقرب من البيت، وكشافات النور بدأت تكتسح الشبابيك.
​عمر ضحك في الشاشة: “الوقت خلص. السيستم هيفعل نفسه ببصمة عينك دلوقتي سواء وافقتي أو لأ.. بمجرد ما الكاميرا اللي قدامك تقرأ ملامحك.”
​ليلى بصت للكاميرا الصغيرة اللي فوق الشاشة، وبصت لياسين اللي رفع سلا*حه ووجهه ناحية “شاشة الكمبيوتر”.
​”قدامك ثانية واحدة يا ليلى،” ياسين قال بصرامة، “يا تعيشي ملكة في عالم من الدم.. يا ننهي الحكاية دي هنا.”
​غمضت ليلى عينها بقوة.. مكنتش عايزة تكون ملكة، ولا عايزة تكون ضحية. كانت عايزة ترجع “ليلى” اللي كانت بتختصر الطريق وهي راجعة من الشغل.
​فتحت عينها، وبدل ما تبص للكاميرا، بصت لـ “مطفأة الحريق” اللي كانت جنب المكتبة. شالتها بكل قوتها وحدفتها في نص الشاشة والأسلاك، وفي نفس اللحظة ياسين أفرغ خزنته كلها في “وحدة المعالجة” بتاعة الجهاز.
​انفجار كهربي شديد رمى ليلى لورا.
​الدخان ملى المكان، وصوت صراخ عمر في الشاشة اتقطع فجأة. البيت بدأ يولع. ياسين جيه بسرعة وشالها: “عملتيها يا ليلى.. فكيتي القيد.”
​خرجوا من البيت والنهار بدأ يشقشق. الغابة كانت بعيد، بتبص عليهم بصمت. ياسين سلمها “جواز سفر” جديد، ومبلغ مالي، ومفتاح عربية مركونة بعيد.
​”ده طريقك،” قال ياسين وهو بيبعد عنها.
​”وأنت؟”
​”أنا لسه ورايا حساب مع عمر.. الغابة مابتسيبش حد يدين لها بحاجة.”
​مشي ياسين في الضباب، وليلى ركبت العربية. بصت في المراية، لقت وشها مليان جروح وطينة، بس عيونها مابقاش فيها خوف.
​شغلت العربية، وبدأت تسوق في اتجاه عكس اتجاه الغابة. وهي ماشية، سمعت صوت “صفير” خفيف جاي من راديو العربية.. بس المرة دي، ليلى هي اللي كانت بتصفر اللحن، وهي بتبتسم لأول مرة.
​دي كانت نهاية “الشاهدة”.. ليلى اللي اختارت حريتها على حساب القوة. مرت ستة أشهر.
​في مدينة ساحلية بعيدة، بعيدة جداً عن الغابة وعن ضجيج القاهرة، كانت ليلى قاعدة في شرفة بيت صغير بيطل على البحر. شكلها اتغير؛ قصت شعرها، وملامحها هديت، بس لسه فيه “لمعة” في عيونها مابتطفيش.
​ليلى مابقتش بتشتغل في الحسابات، بقت بتقضي يومها في مرسم صغير، بتحول كوابيسها للوحات فنية. لوحتها الأخيرة كانت غريبة.. عبارة عن غابة سودة، وفي نصها شجرة واحدة طالع منها نور أبيض، وتحت الشجرة مفتاح مكسور.
​تليفونها رن. رقم مجهول.
ليلى مابقتش بتخاف من الأرقام المجهولة، هي عارفة إن الماضي مش بيموت، هو بس بياخد استراحة.
​فتحت الخط وسكتت.
جالها صوت أنفاس هادية، وبعدها جملة واحدة:
“البضاعة وصلت.. والديون اتسددت.”
​صوت عمر.
ليلى قبضت على التليفون بقوة: “عمر؟ أنت لسه عايش؟”
​ضحك ضحكة تعبانة، ضحكة حد خسر كل حاجة وماعندوش حاجة يبكي عليها: “العيش ملوش طعم يا ليلى لما تكوني لوحدك. ياسين عملها.. ياسين خدني معاه في الانفجار الأخير، بس القدر كان ليه رأي تاني. أنا دلوقتي في مكان ملوش عنوان، وعيني واحدة مابقتش بتشوف.. بس بقيت بشوف الحقيقة أحسن.”
​ليلى سألت بلهفة ووجع: “وياسين؟”
​سكت عمر لحظة، وصوته اتخنق: “ياسين ساب لك رسالة في ‘الغابة’.. في نفس المكان اللي شفتيه فيه أول مرة. لو عايزة تعرفي هو عمل كده ليه.. روحي هناك في ذكرى الليلة اللي غيرت حياتك.”
​الخط قطع.
​ليلى وقفت، بصت للبحر الهادي قدامها، وبعدين بصت للوحتها. كانت عارفة إنها لو رجعت، ممكن ماترجعش تاني. بس الغابة كانت بتناديها.. والسر اللي بدأ بالدم، لازم ينتهي بالدم.
​العودة إلى الغابة
​ليلة ذكرى الحادثة، كانت ليلى واقفة قدام نفس الشجرة. الجو كان ساقعة، وصوت الصراصير عالي زي ما هو، كأن الزمن وقف في المكان ده.
​بدأت تحفر تحت جذع الشجرة بـ “سكين” صيد صغير. خبطت في حاجة صلبة. طلعت صندوق معدني صغير، مصدي من الرطوبة. فتحته وهي بتنهج.
​جوه الصندوق مكنش فيه ورق ولا فلاشات.
كان فيه “سلسلة دهب” رقيقة جداً، فيها دلاية على شكل قلب، وصورة تانية مكنتش شافتها قبل كده.
صورة لأمها.. الأم اللي “عمر” ادعى إن ياسين قتل الراجل اللي رباها عشان يوصل لها.
​في ظهر الصورة كان مكتوب: “ليلى.. ياسين مقتلش حد. ياسين هرّبك عشان إنتي الوحيدة اللي كنتي ‘نضيفة’. عمر هو اللي قتل الكل.. وأنا اللي كنت بساعد ياسين من بعيد.”
​التوقيع مكنش من ياسين.. التوقيع كان من “المأمور” اللي شافته في القسم!
​فجأة، حست بحد واقف وراها.
لفت بسرعة وهي ماسكة السك*ينة.
كان فيه راجل واقف، بس مش عمر ولا ياسين. كان شاب صغير، ملامحه تشبه ياسين جداً، بس أصغر بكتير.
​بص لها بابتسامة غامضة وقال:
“ياسين بيقولك.. ‘الصفير’ لسه شغال، بس المرة دي إحنا اللي بنقود الغابة.”
​الشاب شاور لها على طريق وسط الشجر، وظهرت من بعيد أنوار عربيات كتير.. مش عربيات شرطة، ولا عربيات عصابات. كانت عربيات “منظمة” جديدة، بترفع نفس علامة “الإخوة”، بس بلون أبيض مش أسود.
​ياسين مكنش مجرد شخص، ياسين كان بيبني “جيش” سري من الضحايا اللي زي ليلى، عشان يطهروا الغابة من الوحوش اللي زي عمر.
​مد الشاب إيده ليها: “ياسين مستنيكي.. الزعيمة وصلت.”
​ليلى بصت للسلسلة اللي في إيدها، وبصت للغابة اللي كانت مرعبة وبقت “بيتها”. ضحكت بوجع وفخر، وحطت السلسلة في رقبتها، ومشيت معاه وسط الضلمة.
​المرة دي.. ليلى مكنتش بتجري من حد.
المرة دي.. هي اللي كانت بتصفر اللحن، والغابة كلها كانت بترد عليها.
​تمت الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *