غلطة عمري نورهان العشري

أنا ما صدقت حسن رجعلي ورجعت بيتي واستقريت، مش هخرب على نفسي تاني!
الدنيا لفت بيا، وحسيت بطعنة في ضهري قسمتني نصين. و لكن الوجع اللي كان أكبر و أكبر لما سمعت جوزها بيقولها
اقفلي مش فاضيين لحد.
مقدرتش أمنع نفسي لقيتني بقولها بحرقة
يا حقيرة! يا واطية يا زبالة! أنا خربت بيتي عشانك! أني نزلت تحت رجلي عشان اساعدك وطيبت خاطرك ووقفت قدام جوزي وكسرت كلمته عشان تنقذي بيتك.. وفي الآخر تبيعيني بالرخص ده؟!
مها حاولت تتكلم يا نهى اسمعيني بس…
قطعت كلامها وأنا بصرخ وبشهق من كتر الندم والغل اللي جوايا
ملعون أبو معرفتك على أبو اليوم اللي شوفتك فيه! إنتِ إيه؟ معندكيش أصل؟ معندكيش دم؟! أنا اترميت في بيت أهلي وبناتي اتشتتوا عشان أصلح مابينك وبين جوزك، وإنتِ قاعدة في بيتك متهنية ومش هامك؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا مها، ربنا ينتقم منك وياخدلي حقي منك ومن جوزك ومن كل واحد ظلمني.. غوري في داهية!
قفلت السكة في وشها ورميت الموبايل في الحيطة اتفشفش مية حتة، ورميت نفسي على السرير وأنا بصرخ وبكتم صوتي في المخدة.. الندم كان بيدبحني، ندمانة إني سمعت كلامها، وندمانة إني خسرت بيتي وجوزي حبيبي اللي كان صايني، عشان واحدة متسواش.
بعد أسبوع.. كانت الصالة في بيت أبو نهى هادية هدوء مخيف، هدوء ما قبل العاصفة. فهد قاعد مربع إيديه، ظهره مفرود وعينيه مثبتة في الأرض بجمود يشبه جمود الصخر. قدامه كان والدي باصص له بنظرات كلها رجاء وتوسل، الراجل الكبير اللي علامات الزمن والقهر ظهرت على وشه فجأة في كام يوم. حكايات نورهان العشري
بابا اتنهد بصوت مرتعش وقال
يا فهد يا ابني، عشان خاطري

أنا، اعتبرها سحابة صيف وعدت. البنت غلطت وندمانة وبتموت في الأوضة جوة، أنت عارف نهى وعارف طيبة قلبها، دي كانت فاكرة إنها بتعمل خير، مكنتش قاصدة تكسر كلمتك.
فهد رفع عينه، النظرة اللي كانت فيها مكنتش غضب، كانت أعمق وأقسى بكتير.. كانت نظرة خيبة أمل مالهاش آخر. أخد نفس طويل وطلعه ببطء وقال بصوت واطي وراسي بس حاسم زي حد السيف
يا عمي.. أنا جيتلك لحد بيتك احتراماً ليك وللأصول اللي اتربينا عليها. نهى مكسرتش كلمتي بس، نهى هزت ثقتي فيها.. والثقة لما بتهتز في قلب الراجل، مبيفضلش مكان لأي حاجة تانية. أنا كنت بقف للدنيا كلها عشانها، كنت بقف لأمي وأخواتي وأقول مراتي خط أحمر، وفي الآخر هي عملت ايه واقفة في نص بيتي وبتكلم راجل غريب من ورايا عشان خاطر واحدة تانية؟
بابا اتكلم بحزن
يا ابني المسامح كريم، والبيوت مبتتهدش من أول غلطة، فكر في البنتين، ذنبهم إيه يتشتتوا؟
فهد شد ووقف، و اتكلم بحسم
البنات في عينيا يا عمي، هما بناتي و نور عيني وعمرهم ما هيحتاجوا حاجة في الدنيا. ونهى.. أنا مش هظلمها، هتاخد كل حقوقها، المؤخر والنفقة والمتعة وكل مليم تطلبه، أنا مش راجل وحش عشان أكل حق الولايا بس رجوع مش هنرجع. أنا هطلق نهى يا عمي، والموضوع ده منتهي بالنسبة لي.
حكايات نورهان العشري
ج٣
دخل بابا الأوضة عليا كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في اللحظة دي. كنت قاعدة على طرف السرير، عينيها منفوخة ومحجرة من كتر العياط، وشي باهت زي الورقة البيضا. أول ما شفت أبويا داخل، وقفت بلهفة وجريت عليه
بابا! قولي إنه وافق؟ فهد قال إيه؟ هيسامحني ويرجعني عشان خاطر البنات صح؟
أبويا مبصش في عينيها، دارى وشه وهو بيمسح دمعة خاينة نزلت من عينه وقال بصوت مكسور
ادعي لنفسك بالصبر يا بنتي.. فهد مصمم على الطلاق، وبيقول هيطلقك بالمعروف ويديكِ كل حقوقك.
الكلمة نزلت عليا زي السكين اللي بتدبح، رجلي مبقتش شيلاني وقعت على ركبي وانا بصرخ بهيستريا حكايات نورهان العشري
لأأأأ! فهد لا! مش هيطلقني.. هو بيحبني، أنا عارفة إنه بيحبني! يا بابا ارجعله، قوله يضربني، يعاقبني، يعمل فيا اللي هو عايزه بس ميبعدنيش عنه! أنا هموت من غيره والله العظيم هموت!
أمي وأختي جريوا عليها يهدوني، بس مفيش فايدة، البيت كله كان مقلوب بصريخي اللي يقطع القلب، ندم العالم كله كان متجمع في صدري في اللحظة دي.
وجاء اليوم المشئوم.. اليوم اللي كانت نهى بتتمناه ميكتبش في عمرها.
المكتب عند المأذون كان ضيق وخانق، ريحة الأوراق القديمة وحبر القلم كانت بتزود الخنقة في صدرها. فهد كان قاعد على الكرسي، لابس قميصه الأسود، وشه كان عبارة عن قناع من الجمود التام، ملامحه خالية من أي تعبير، كأنه راجل من رخام. بس لو حد ركز في كفوفه اللي فوق ركبته، هيشوف صوابعه وهي بتضغط بعنف، كأنه بيجبر قلبه إنه ميتكلمش.
نهى كانت قاعدة قصاده، جسمها كله بيترعش، دموعها نازلة صامتة ومن غير صوت، بس كانت مغرقة وشها ورقبتها. كانت بتبص له بنظرات استعطاف، نظرات بتقول بص في عيني.. افتكر سبع سنين حب.. افتكر بناتي.. افتكر إنك كنت أماني
المأذون بدأ يكتب في الدفتر، وصوت حشرجة القلم كانت بتنزل على قلب نهى زي الضربات. فهد كان باصص للورق ومتابع الإجراءات ببرود مصطنع، كان بيحاول بكل قوته يرسم الجمود على ملامحه، بس فكه كان مشدود وعروق رقبته بارزة، المعركة اللي جواه كانت أشرس بكتير من سكوته.
المأذون خلص كتابة، وبص لفهد وقال
اتفضل يا أستاذ فهد.. قولها أنتِ طالق .
في اللحظة دي، نهى حست إن روحها بتتسحب بجد. رفعت عينيها المليانة رجاء وشهقت بصوت مسموع ومكتوم
فهد.. عشان خاطري… حكايات نورهان العشري
فهد فتح بقه عشان ينطق الكلمة، بصلها، وشاف كسرتها ودموعها ونظرتها اللي دمرت كل حصونه.. الجمود اللي كان على وشه اتهز للحظة، وعينيه لمعت بوجع رهيب.
نهى مقدرتش تتحمل اللحظة دي، الدنيا اسودت تماماً في عينيها، الهوا اتقطع عن صدرها، وجسمها كله ارتمى ووقع من على الكرسي على الأرض وهي فاقدة الوعي تماماً، قبل ما الكلمة تطلع من بق فهد.
في اللحظة اللي جسم نهى ارتمى فيها على الأرض، قناع الجمود اللي كان فهد راسمه على وشه اتمزق مية حتة. صرخ صرخة رجت جدران الأوضة نهى!
في ثانية كان نازل على الأرض، وهو بينفض من الرعب، ملامحه الصخرية اتقيدت بنار الخوف عليها، نسى كبريائه، ونسى وجعه، وهو بيزعق في المأذون وفي أبوها بصوت مرعوب
فوقي يا نهى! عشان خاطري فتحي عينك! حد يجيب مية بسرعة.. نهى ردي عليا!
جري بيها على عربيته بأقصى سرعة، وأبوها وراهم مش ملاحق خطواته الواسعة والمرعوبة. ساق العربية بأقصى سرعة لغاية ما وصل لأقرب مستشفى، ودخل بيها وهو بيزعق في الدكاترة يلحقوها.
بعد ربع ساعة من القلق والتوتر، وفهد رايح جاي قدام الأوضة بيموت في كل ثانية، خرج الدكتور وابتسامة خفيفة على وشه
اطمنوا يا جماعة، هي جالها هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب الضغط النفسي الشديد.. بس الحمد لله عملنا اللازم،. اه مبروك، المدام حامل في أول الأسبوع الرابع ولازم تبعد تماماً عن أي زعل عشان الحمل

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *