غلطة عمري نورهان العشري

يثبت.
أبو نهى رفع إيديه للسما وبقى يحمد ربنا بدموع، أما فهد.. فجمد في مكانه. الكلمة هزت كيانه كله، حس إن ربنا بيبعتله رسالة، بيديه فرصة ثانية يحمي بيها بيته وعياله من غير ما يكسر كبريائه قدام نفسه. بص لعمه وقال بصوت حاول يخليه جامد بس نبرة اللهفة كانت فضحاه
أنا مش هطلق نهى يا عمي. نهى هترجع بيتها معايا. أنا مقبلش أن ولادي يتولدوا برة بيتي حكايات نورهان العشري
رجعت نهى البيت، دخلت أوضتها وهي مش مصدقة، كانت بتلمس الحيطان بحنان ونفسها تجري على فهد تشكره. دخل وراها فهد، قفل الباب وبصلها بنظرة باردة وناشفة، عكس النار اللي كانت جواه وهو خايف عليها.
نهى قربت منه بدموع ولهفة
فهد.. أنا مش مصدقة إننا رجعنا، والله العظيم ربنا يعلم…
قاطعها بصوت حاد وقاسي كأنه بيهد كل آمالها
اسمعيني كويس يا نهى.. متوهميش نفسك بكتير. إنتِ رجعتِ هنا لسبب واحد بس.. ولادك، واللي في بطنك. رجوعك عشان أنا مش هسمح لعيالي يتربوا بعيد عني، وعشان صحتك وصحة اللي جاي.
بلعت ريقها بصدمة وقالت
يعني إيه يا فهد؟ مش هتسامحني؟
بص الناحية التانية عشان يداري لهفته وعينيه اللي كانت هتفضحه وقال بقسوة مصطنعة عشان يأدبها ويداري جرحه
المعاملة اللي بيني وبينك انتهت، إنتِ هنا أم عيالي وبس.. وأنا، من حقي أشوف حياتي.
سكت شوية وقال
وأنا قررت إني هتجوز.
حكايات نورهان العشري
الكلمة نزلت على نهى زي الصاعقة، حست إن قلبها وقف عن النبض، الصدمة شلت لسانها وعينيها اتسعت بذهول وقهر.. كانت هتموت من الوجع. فهد شاف المنظر ده، قلبه اتقطع عليها وكان نفسه يقولها إنه بيقول كدة من غيظه وزعله، بس داس على قلبه، لف ضهره

وخرج من الشقة بسرعة ورزع الباب وراه قبل ما يضعف قدام دموعها.
نهى رمت نفسها على السرير وهي بتشهق من كتر العياط، مش قادرة تستوعب إن فهد حبيبها وعمرها ممكن يتجوز واحدة تانية غيرها.
وفجأة.. الباب الخارجي اتفتح، ودخلت خطوات تقيلة ومألوفة. مكنتش أختها ولا أمها، دي كانت حماتها، أول ما عرفت إن فهد خرج، انتهزت الفرصة وطلعتلها الشقة. دخلت الأوضة ووقفت فوق راس نهى، وحطت إيدها في وسطها وعلى وشها ابتسامة شماتة تقرف.
حماتها بصتلها من فوق لتحت وقالت بنبرة كلها غل وسخافية
يا ألف نهار مبروك يا نهى.. رجعتِ؟ مفكرة نفسك ذكية بالحمل ده؟ فاكرة إنك كدة لويتي دراع ابني؟ لأ يا حبيبتي، فهد رجعك عشان حتة العيل اللي في بطنك وعشان كلام الناس، إنما أنتِ خلاص، بقيتي عنده في الأرض.
نهى رفعت راسها ودموعها مغرقة وشها، بس حماتها مسمتهاش وكملت بسمّ أشد
سمعتِ إنه قرر يتجوز صح؟ أهو أنا بقى من بكرة هدورله على ست ستك، بنت أصول تسمع كلامه وتصون بيته، مش تروح تلف على رجالة برة وتكلمهم من وراه وتفضحنا! خليكِ كدة قعدة زي الكرسي في البيت، ليكي الأكل والشرب، و العروسة الجديدة هي اللي هتاخد الاهتمام كله.. اشربي بقى من الكاس اللي عملتيه بإيدك!
على مدار أسبوع كامل، كانت حماتها مستلمة الدفة؛ تلف على المعارف والجيران، تجمع صور البنات وتعرضها على فهد وهو راجع من شغله قرفان ومنهك. كان بيبص للصور ببرود ويرميها على التربيزة ويقولها بنبرة ناشفة
مش وقته يا أمي، سيبيني في اللي أنا فيه. هو مكنش شايف ولا عايز يشوف ست في الدنيا غير اللي قاعدة جوة الأوضة وصوت عياطها المكتوم كان بيبث النار في صدره. حكايات نورهان العشري
أما نهى، فكانت في الأيام الأولى عايشة في شبه غيبوبة، لحد ما في ليلة، وهي باصة لوشها في المراية، لقت عينيها منفوخة، وشكلها دبلان، وحماتها كلماتها لسه بتعوي في ودنها زي الذئاب. في اللحظة دي، جواه حاجة اتمزقت واتبدلت.. حست بكرامتها اللي بتقل، وبأنها رخصت نفسها أوي. حكايات نورهان العشري
وقفت قدام المراية، مسحت آخر دمعة بعنف، وقالت لنفسها بصوت قوي لأول مرة
لو فهد هيتجوز عليا، أنا مش هكون موجودة أصلاً عشان أشوفها.. أنا رجعت عشان خاطر اللي في بطني وبناتي، وعمري ما هقبل أكون نص ست في حياة راجل، حتى لو الراجل ده فهد
من تاني يوم، الشقة اتغير حالها. نهى قامت، غسلت وشها، لبست فستان بيتي صيفي أنيق ومرتب، رفعت شعرها بشكل جميل، ورشت من عطرها الجميل. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، وبقت تقضي طول اليوم مع بناتها؛ تلعب معاهم، وتضحك بصوت عالي وهي بتلعب وراهم في الصالة، وتغني لهم عشان تشغل عقلها وقلبها عن الوجع اللي بيعصرها من جوة. كانت بتصبر نفسها بإن فهد ابن عمها وحبيبها وعمره ما هيعمل كدة، ولو عمل.. يبقى لكل حادث حديث، والباب يفوت جمل.
فهد كان مراقب كل ده.. الشقة اللي مفاتيحها معاه، كان يدخل ببطء ومن غير صوت، ويقف في الممر يراقبها من بعيد لبعيد من غير ما تاخد بالها. كان بيشوف ضحكتها مع البنات، طريقتها وهي بتهتم بنفسها وبلبسها، والبرود اللي غلف ملامحها فجأة. حكايات نورهان العشري
التجاهل ده بدأ يجننه.. مكنش ده الرد اللي مستنيه! كان فاكر إنها هتيجي تبكي وتترجاه ميتجوزش، كان عايز يديها درس عمرها عشان اللي حصل دا ميتكررش تاني. أو على الأقل تظهر عليها علامات الغيرة والكسرة. لكن نهى بقت تتعامل معاه كأنه شبح في البيت؛ تجهز له أكل وتسيّبه على السفرة وتمشي، تحط له هدومه المكوية على السرير من بعيد لبعيد، ولما يتقابلوا في الممر، بتبص له بنظرة باردة، وخالية من أي عاطفة، وتعدي من جنبه كأنها بتعدي من جنب حيطة.
البرود ده شعلل النار في قلب فهد. رجولته وكبريائه وجعوه؛ إزاي قدرت تقلب الصفحة بالسرعة دي؟ إزاي مبقاش فارق معاها إنه ممكن يكون لواحدة تانية؟ الغيظ عماه، وقرر إنه لازم يكسر البرود ده ويشوف في عينيها لهفة الحب والغيرة بتاعة زمان، حتى لو هيلعب لعبة خطيرة.
في يوم، رجع فهد البيت بالليل، ودخل الصالة وهو بيتكلم في التليفون بصوت مسموع وواضح، وعينه بترمق باب الأوضة اللي نهى قاعدة فيها مع البنات. قال بنبرة فيها فرحة مصطنعة وواضحة
يا أمي.. خلاص، بلغي الجماعة إننا هنروح نقرأ الفاتحة يوم الخميس الجاي. البنت ما شاء الله عليها أدب وجمال وأصل، وأنا موافق…
قفل الخط، وحط الموبايل على الترابيزة بعنف، وقعد على الكرسي وهو بياخد نفس طويل، مستني الباب يتفتح وتخرج نهى وهي منهارة أو بتصرخ في وشه. حكايات نورهان العشري
جوة الأوضة.. نهى كانت ساندة ظهرها على الباب، كلامه نزل عليها زي طعنة خنجر مسموم في قلبها. النفس اتقطع من صدرها، وحست بوجع رهيب لدرجة إنها حطت إيدها على بطنها وخافت على الجنين. دموعها كانت هتخونها وتنزل، بس افتكرت عهدها لنفسها، وافتكرت كرامتها. غمضت عينيها، أخدت نفس طويل، ورسمت على وشها أهدأ وأبرد ابتسامة تقدر عليها.
فتحت الباب وخرجت بكل ثبات وثقة، خطواتها كانت راسية وفستانها بيتحرك معاها. فهد رفع عينه بسرعة وشافها وهي بتقرب، قلبه دق بسرعة وهو

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *