غلطة عمري نورهان العشري

مستني الانفجار.
نهى مشيت لحد السفرة، أخدت كباية المية، وبصت له بنظرة ثاقبة وباردة، وقالت بصوت هادي ومستقر تماماً ما فيهوش أي رعشة
ألف مبروك يا فهد.. ربنا يتمم لك على خير.
وقبل ما يستوعب الكلمة، لفت ضهرها ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالراحة وبكل برود.
فهد جمد في مكانه، صوابعه ضغطت على مسند الكرسي لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر من كتر الغيظ والذهول. اللعبة اللي عملها عشان يحرق دمها، ارتدت في صدره هو، وبقى سؤاله الوحيد اللي بياكله من جوة
يا ترى هي فعلاً مبقتش تحبني؟ حكايات نورهان العشري
ده الهد
كانت الساعة داخلة على سبعة الصبح الهدوء مسيطر على البيت كله بس هو هدوء كداب، عامل زي الرماد اللي تحته نار قايدة. فهد كان قاعد في الصالة، قميصه مفتوح أول زرارين منه، وعينيه على باب الأوضة، السيجارة في إيده مبتطفيش، والغيظ بياكل في قلبه من برودها اللي شافه الصبح.
وفجأة، الباب اتفتح.
خرجت نهى، بس المرة دي مكنتش لابس فستانها البيتي.. كانت لابس عبايتها الخروج ولفّة طرحتها. وفي إيدها الشنطة الكبيرة اللي لمت فيها هدومها وهدوم بناتها، والبنتين الصغيرين
كانوا نايمين جوة ومجهزاهم.
فهد اتسمر في مكانه. السيجارة وقعت من بين صوابعه على الطفاية. وقف وفرد طوله وعينيه اسودت بأكتر نظرة رعب وغضب عاشها في حياته. بصلها وبص للشنطة اللي في إيدها، وصوته طلع خشن ومتحشرج
إيه اللي في إيدك ده يا نهى؟ إنتِ رايحة فين في وقت زي ده؟حكايات نورهان العشري
نهى وقفت بثبات، رغم إن قلبها كان بيتخلع من مكانه، حطت الشنطة على الأرض وبصت في عينيه مباشرة ولأول مرة من يوم الأزمة بنظرة صافية، راسية، وموجوعة بس مش مكسورة
أنا غلطت يا فهد.. غلطت وأقريت بغلطي، ونزلت تحت رجليك ورجل أهلي، وربنا وحده يعلم نيتي كانت إيه، لا كنت بخدعك ولا كنت بقل بيك، أنا كنت بنقذ بيت صاحبتي. بس أنت حكمت وقسيت، وكسرتني كسر عمري ما هنساهولك.
بلعت ريقها، وحطت إيدها على بطنها بحركة عفوية وكملت بنبرة قاطعة
بس في كل الأحوال.. أنا مش الست اللي تقبل بضرة، ولا نهى اللي تعيش نص ست في حياة راجل عشان العيال. أنا لميت هدومي وهدوم بناتي وهمشي حالا.. عشان تفضى لجوازتك الجديدة والست اللي اخترتها، ولما أولد بالسلامة.. يا ريت ورقتي توصلني بيت أبويا. حكايات نورهان العشري
الكلمة دي خلت فهد يفقد عقله تماماً. كبريائه، وغيظه، وخوفه المرعب من إنها تضيع من بين إيديه بجد، كل ده انفجر في ثانية واحدة.
قرب منها بخطوات سريعة زي الإعصار، زق الشنطة برجليه طيرها لآخر الصالة، وهو بيصرخ في وشها وعروق رقبته بارزة وعينيه حمرا دم
بالسهولة دي؟! بالبساطة دي بتبيعي سبع سنين؟! إنتِ مبقتيش تحبيني للدرجادي يا نهى؟ هانت عليكِ عيشتنا؟ عايزة تمشي وتسيّبيني عشان كلمتين قولتهم؟ إنتِ إيه، معندكيش قلب؟! مفكراني هسيبك تخرجي من الباب ده وإنتِ شايلة ابني جواكي!
قعد يزعق ويبهدل الدنيا، يزق الكراسي، صوته كان مالي البيت كله بغضب الراجل اللي بيحارب عشان حبه اللي بيضيع. نهى قدام المنظر ده، وقدام الرعب والوجع اللي شافته في عينيه لأول مرة، حصونها كلها اتهدت. البرود المصطنع داب، وانفجرت في العياط بشهقات عالية وصوت يقطع القلب، وجسمها كله بقى يرتعش وهي بتغطي وشها بإيديها.
أول ما شاف دموعها وانهيارها، الغضب اللي في قلبه اتقلب للوعة ولهفة حارقة. وهي بتعيط وتشهق
سيبني يا فهد.. سيبني أمشي.. أنت كنت قاسي أوي معايا.. قاسي لدرجة دبحاني! ليه تدوس عليا كدة؟ ليه تحرق دمي وتقولي هتعيشي كرسّي في البيت دا و هتتجوز عليكِ واحدة تانية؟ أنا كنت بموت في كل ثانية وأنت مابتسمعنيش!
أنا آسف.. حقك عليا، أنا كنت هتموت من غيظي منك.. برودك كان بيقيد فيا النار يا نهى! كنت عايز أشوف غيرتك، عايز أسمع صوتك وأنتِ بتقوليلي متسبنيش، مكنتش طايق إنك تبصيلي كأني غريب!
نهى بحرقة
طب ما انت كنت هتطلقني وهتفرط فيا. نسيت انك خدتني عند المأذون عشان نطلق؟حكايات نورهان العشري
فهد بحدة
مكنتش هعمل كدا. كنت عايز أعلمك درس بس. لكن عمري ما كنت هنطقها ولا هفرط فيكي أنا بعشقك يا نهى و مقدرش اعيش لحظة واحدة من غيرك..
رفع راسها وقال بصوت واطي وخشن مليان عشق ورجوع
و كمان عمري ما فكرت اتجوز عليكي، مفيش ست في الدنيا تقدر تملى عيني غيرك. أنا كنت بلعب بيكِ عشان أحرق دمك زي ما حرقتي دمي، بس أنا اللي اتحرقت بالنار.. إنتِ بتاعتي أنا، مراتي وأم عيالي وحبيبتي، ومفيش قوة على الأرض هتاخدك مني ولا هتبعدك عني.
نهى استسلمت تماماً و ابتسمت بحنان واخيرًا انقشعت الغمة وحل محلها السعادة في بيتها من تاني
حكايات نورهان العشري




