حكايات محمد عبده 1

المكالمة رقم خمستاشر من حسام. المرة دي صباعي اتحرك وقررت أرد. رفعت السماعة، حطيتها على ودني وسكت تماماً. مكنتش عايزة أبدأ بالكلام ولا أقول “ألو”، كنت عايزة أسمع نبرة صوته وهي بتتحول من النبرة الفرعونية المفرعنة لنبرة الفار المزنوق في مصيدة حديد.
وجالي صوته مخنوق وضايع، وفي الخلفية دوشة المطار المعتادة؛ النداءات الداخلية بتاعة رحلات الطيران، وصوت جرجرة الشنط على الرخام: — “مريم! مريم أنتي سامعاني؟ أنتي عملتي إيه؟ مريم ردي عليا متبقيش باردة كدة!”
أخدت بوق من القهوة السادة وقلت بكل برود: — “أهلاً يا حسام. منمتش ليه لحد دلوقتي؟ مش المفروض طيارتك لمدريد فاضل عليها ساعتين؟”
صوته طلع فيه ركبة ورعشة وهو بيزعق: — “طيارة إيه وزفت إيه على دماغنا! الحسابات مقفولة ليه؟ الفيزا الجولد بتاعتي اترفضت وأنا بشتري حاجات من السوق الحرة، ولما دخلت على الأبلكيشن لقيت رسالة غريبة مكتوب فيها (تم تجميد الحساب بناءً على أمر قضائي)! مريم.. أنتي ليكي يد في الكلام ده؟ أنتي واعية أنتي بتعملي إيه في مستقبلي؟”
ضحكت ضحكة خفيفة، صوتها طلع رنان وله صدى وسط حيطان المطبخ الفاضية: — “واعية جداً يا حبيبي، وصاحية كمان. أصل أنا مكنتش نايمة لما غيرت كوبايات الشاي والبابونج بتاعك. قولي، البابونج بتاعي كان طعمه حلو؟ على فكرة، المنوم اللي أنت حطيتهولي في الكوباية ده نوعه رخيص ومفعوله بطيء أوي، شركة (الفايد) عندها بدائل مستوردة تيمتك في ثانية لو كنت كلفت خاطرك وسألتني”.
سكت للحظة كأنه اتصعق، وقال بذهول: — “أنتي.. أنتي كنتي صاحية؟”
— “وصورتك وأنت زي الحرامية بتسرق الساعات والظروف من الدريسنج روم، مصلحة الضرائب ونيابة الأموال العامة شافوها لايف فيديو وصور ملونة. أنا مركبة كاميرات خفية في الأوضة من تلات شهور يا حسام.. من يوم ما شميت ريحة نيرمين في بيتي”.
صوته سكت لثواني، سمعت صوت نفس عالي ومكتوم كأنه هيغمى عليه، وفجأة نيرمين خطفت منه التليفون. صوتها كان طالع مسرسع، مليان غل وقلق وخوف متداري ورا بجاحة: — “اسمعي يا بت أنتِ! فاكرة نفسك هتعملي فيها ذكية وسبع الرجال؟ حسام معاه تنازلات وتوكيلات عامة منك ومن أبوكي قبل ما يموت! الشركة باسمه، والفلوس اللي في الحسابات دي فلوسنا وتعبنا، إحنا هناخد كل ده بالقانون، وأنتي هتقعدي في الشارع تولولي وتندبي حظك!”





