حكايات محمد عبده 1

أخدت نفس طويل ورديت بابتسامة باردة: — “نيرمين حبيبتي.. أهلاً يا شاطرة. منورة صالة المطار بنظارة الشمس بالليل! قوليلي، الألماظ اللي في إيدك مريح؟ أصل الألماظ ده بتاعي، وبتاع أمي الله يرحمها، ومكتوب في قائمة المنقولات بالجرام والعيار والدمغة كمان. أما بقى بالنسبة للتوكيلات اللي مع حسام.. فالحاج عبد الحميد الفايد لما مات، التوكيل بتاعه اتلغى تلقائياً بحكم القانون، ودي معلومة تدرس في أولى حقوق يا دكتورة. وبالنسبة للتوكيل اللي كان معاه مني؟ أنا لغيته من أسبوع، وعملت لك إعلان على يد محضر على عنوان شقتك القديمة في فيصل.. أصل أنا عارفة إنك مأجرة شقة جديدة في الرحاب بفلوس جوزي، بس قولت أسيبك تتفاجئي كدة في السكات”.

 

حسام رجع خطف التليفون تاني، وصوته المرة دي كان بيترعش زي ورقة شجر في الريح: — “مريم.. بلاش جنان وخراب بيوت. إحنا ممكن نتفاهم ونحل كل حاجة ودي. أنا واقف في صالة المطار والناس والشرطة بيبصوا عليا بنظرات غريبة. الموظف هنا على الكاونتر بيقولي إن فيه أمر منع من السفر طالع باسمي وباسم نيرمين من مكتب النائب العام.. ده تهريج صح؟ أنتي بتعملي كدة عشان تخوفيني وتلوي دراعي؟”

بصيت على خيوط الفجر اللي بدأت تشق السما من ورا شباك المطبخ، وقلت بلهجة حاسمة وواضحة: — “أنا مبخوفكش يا حسام. أنا بنفذ وبس. القضايا اللي مرفوعة عليك دلوقتي مش قض..ية نفقة وطلاق وبيت، دي قضايا اختلاس، وتزوير في أوراق رسمية، وغسيل أموال عن طريق الشركة الوهمية اللي عملاها الست نيرمين باسم ابن عمها (مدحت علام)، وتهريب نقد أجنبي برة البلد. البلاغ اتقدم رسمي الساعة حداشر بالليل، وأمر المنع من السفر والتحفظ على الأموال طلع استثنائي وبسرعة لأن المستندات والأدلة اللي قدمتها المحامية بتاعتي مخرّش المية. طيارتكم لمدريد هتطلع بعد شوية يا حسام.. بس من غيركم”.

قفلت السكة في وشه. مسبتلوش ثانية واحدة يرد ولا ينطق بكلمة تانية تفور دمي.

الساعة بدأت تقرب من خمسة الصبح. النهار بدأ يشقشق بنور رمادي خفيف فوق فيلات التجمع الهادية. قمت من مكاني، أخدت دوش يفوقني، وغيرت هدومي. لبست بدلة سودا شيك كلاسيك، نفس البدلة الهيبة اللي كنت بلبسها وأنا نازلة مع بابا الله يرحمه المخازن والشركات الكبيرة عشان نخلص صفقات بالملايين. لميت شعري لفوق بانتظام، وحطيت روج أحمر غامق يدي لوشي حدة وقوة. مكنتش رايحة المحكمة، لأ، المشوار لسه في أوله؛ كنت رايحة فرع البنك الرئيسي في وسط البلد، وبعده على طول على مقر الشركة في مصر الجديدة عشان أستلم مكاتبي وأحط النقط على الحروف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *