حكايات محمد عبده 1

أول ما الصوت مات تماماً، فتحت عيني على وسعها. منزلتش دموعة واحدة؛ أنا شبعت عياط وقهوة سادة من خمس شهور لما قفشت رسايل نيرمين على تليفونه. مكنتش رسايل حب وغرام، لأ، دي كانت خطة وندالة: حسابات، شركات وهمية، إمضاءات متزورة، وتريقة عليا عين عينك. الهانم كانت كاتبة له: “مريم مش حاسة بحاجة، لازم نفضيها من كل حاجة قبل ما تطلب الطلاق، وعقبال ما تفوق من الصدمة، هنكون بقينا في مدريد”.
قمت مشيت للمطبخ بخطوات ثابتة، ودلقت شاي حسام اللي برد في الحوض. بصيت من الشباك؛ برة القاهرة كانت نايمة في وسط الجو الساقع، وجوة بيتي كان واسع ومهجور، بس لأول مرة من سنين مخفتش من الوحدة.
الساعة بقت اتنين وأربعين دقيقة. شاشة التليفون نورت في إيدي، كانت صورة مبعوتة واتساب. حسام ونيرمين واقفين في صالة مطار القاهرة، حاضنين بعض، وهي هانم زمانها، مبتسمة ولابسة نظارة شمس بالليل تحت لور صالة المطار وفاردا ضحكتها. وتحت الصورة رسالة مكتوبة بـ غل وشماتة:
“مع السلامة يا فاشلة، مسبتلكيش مليم.. لما تصحي الصبح مش هتلاقي لا بيت ولا شركة ولا مليم واحد في البنك”.
قريت الرسالة وضحكت بصوت عالي سمعه صدى الحيطان. مش عشان مش موجوعة، الوجع موجود، وجع السنين واللقمة اللي اتقسمت كدب، بس ضحكت لأن حسام طول عمره كان بيفسر أدبي وسكوتي على إنه قلة حيلة وخوف.
الغباء عماه وخلاه يصدق إن الشركة بتاعته لمجرد إنه بيلبس البدلة الشيك ويتكلم في الاجتماعات، وافتكر الفيلا بتاعته عشان اسمه محفور على يافطة الباب، وفاكرني ماليش لازمة عشان كنت بسيبه يقعد في رأس الترابيزة قدام المستثمرين. اللي مكنش يفهمه، أو حب ينساه، إن شركة “الفايد للمستلزمات الطبية” دي متولدتش معاه، دي بدأت من قلب “السبتية”، من مخزن أبويا الله يرحمه ويكرم ترابه، لما كان حسام لسه شغال مندوب بسيط، بيوزع بالشنطة على المستشفيات وكعبه دايب من المشي. أنا كبرت وسط الفواتير، وخطوط السير، وتخليص أوراق الجمارك، وحسام جه بعدين بالبدلة الشيك والضحكة اللي بتخطف والغل اللي كنت فاكراه طموح.
من ست شهور، لما عرفت باللي بيحصل في السكات، قلعت توب الزوجة المغفلة ولبست توب بنت البلد المحققة اللي واكلة السوق. جمعت كل حاجة: كشوف حسابات البنوك، تسجيلات مكالمات، إيميلات، فواتير مضروبة كان بيعملها عشان يهرب الفلوس، وتحويلات بنكية لشركة وهمية باسم ابن عم نيرمين. وكل ورقة من دي كانت بتوصل دليفري أول بأول لمكتب المحامية بتاعتي، ومنها لنيابة الأموال العامة.





