حكايات محمد عبده 1

الساعة بقت اتنين وسبعة وأربعين دقيقة. كتبت رد من تلات كلمات بالظبط، ودوست إرسال: — “تنبسط في المطار يا حبيبي”.
تليفوني بدأ يرن.. حسام اتصل الساعة تلاتة.. مردتش. نيرمين اتصلت تلاتة وعشرة.. وبرضه مردتش.
سحبت كرسي وقعدت قدام الشباك، وبصيت على مكاني الفاضي في السرير وأنا مستنية خيوط الفجر الأولى تظهر في السما. كنت قاعدة ومطمنة، لأن حسام أول ما يوصل مكتب الجوازات، هيكتشف إن جواز سفره اتوقف، وحساباته البنكية اتقفلت بالمليم، وإن “الفاشلة” اللي سابها نايمة في السرير، مضت على القرار اللي هيقفل عليه كل أبواب الخروج من البلد..
واللي حصل بعد كده ، خلى الضحكة تقف في زوره وتتحول لكابوس عمره اللي مش هيصحى منه!
الساعة بقت تلاتة ونص الصبح. السكون اللي مالي الفيلا مبقاش مرعب ولا غريب، بالعكس، بقيت حاسة إن الحيطان اللي كانت كاتمة على نفسي ومكتفة روحي السنين اللي فاتت دي كلها، بدأت تطق وتتنفس معايا.
نزلت المطبخ بخطوات رايقة، عملت كباية قهوة سادة بوش مظبوط، وقعدت على الكرسي الهزاز قدام الشباك الكبير اللي بيبص على الجنينة والورد اللي دبل من إهماله. التليفون على التربيزة جنبي مبيطلش زن، الشاشة تنور وتطفي وتصرخ بالأسامي: حسام.. نيرمين.. حسام.. نيرمين. المكالمات نازلة ورا بعضها زي ضربات قلب واحد مرعوب، واحد بدأ يحس إن الأرض بتتهز وتتشق تحت رجليه، بس لسه مش فاهم الزلزال ده جاي منين ولا قوته كام ريختر.
أنا مكنتش بمثل البرود، أنا كنت بردانة فعلاً من جوايا، قلبي صفي وبقى حجر. طول عمري بسمع المثل اللي بيقول “اتقي شر الحليم إذا غضب”، ومكنتش فاهمة معناه ولا حاسة بيه بجد غير الليلة دي.
حسام افتكر إن البنت الطيبة اللي اتجوزها وهي لسه متخرجة طازة من كلية تجارة عين شمس، البنت اللي كانت بتنزل مع أبوها مخازن السبتية تدوس في الطين وتشم ريحة الكرتون ومخازن الأدوية، نسيت أصلها وجذورها لمجرد إنها عاشت في كومباوند ولبست ألماظ وراكبة عربية فارهة.
المرطب ده نسى إن أبويا، الحاج عبد الحميد الفايد، الله يرحمه ويرطب ترابه، علمني إزاي أقرا السوق قراية فنجان، وإزاي أطلع المورد النصاب والحرامي من لفتة عينه، وإزاي أخلي المحامي يكتب عقد يربط أي حد من رقبته بحبل من مسد، وميخليهوش يعرف يصرخ حتى.





