زين وبنت عمه 1بقلم ملك ابراهيم

“زين.. يا ابني.. أنا عارفة إن اللي هطلبه منك ده تقيل وصعب.. بس والله ما لينا غيرك بعد ربنا.. انت اللي هتقدر تنقذنا من المصيبة دي.”
بصلها باستغراب وقلق:
“في إيه يا مرات عمي؟ قولي على طول في إيه تاني؟”
خدت نفس عميق كأنها بتجمع كل قوتها وقالت والدموع مغرقة وشها:
“تتجوز زهرة يا زين.. استر عليها يا ابني.. خدها وسافر بيها بعيد عن هنا.. أي مكان غير البلد دي. عشان الفضيحة تتلم وعشان خاطر عمك يقوم بالسلامة، هو مش هيقوم من اللي هو فيه غير لما يحس إن بنته اتسترت ومستقبلها ماراحش. دي الطريقة الوحيدة يا زين.. والله دي الطريقة الوحيدة اللي ممكن ترجع عمك لصحته تاني.”
زين اتسمر مكانه، الكلام نزل عليه زي الصاعقة، صاعقة أقوى من كل اللي فات. يتجوز زهرة؟ زهرة اللي كانت زي أخته الصغيرة؟ ياخدها ويسافر؟
كل اللي قدر يطلعه صوت مبحوح مش طالع:
“إيه اللي انتي بتقوليه ده يا مرات عمي؟”
فضل باصص في الأرض لحظات طويلة، صورة عمه وهو مكسور ومشلول مش بتفارق خياله، شريط سنين تعبه وشقاه عشان يربيهم ويكبرهم ويسترهم بيعدي قدام عينيه، وكل اللي بناه بيتهد في لحظة. حس بوجع تقيل في قلبه، مفيش حل تاني قدامه، لازم يضحي عشان خاطر الراجل اللي كان عموده الفقري وانكسر.
رفع راسه أخيراً وصوته كان فيه مرارة وغصة بس كان قرار نهائي:
“أنا موافق يا مرات عمي.”
الكلمة نزلت عليها زي نقطة ماية في صحرا ناشفة، شهقت وحضنته وهي بتعيط بحرقة:
“ربنا يجبر بخاطرك يا ابني.. ربنا يرضى عليك ويسعدك.”
الساعات اللي بعدها عدت كأنها سنين. المأذون جه والقعدة كلها كانت كئيبة وتقيلة على القلب. زين قاعد وضيق الدنيا كله على وشه، بيبص على زهرة اللي قاعدة جنبه زي التمثال، وشها أحمر من كتر العياط والدموع نازلة من عينيها من غير صوت. كل ما عينه تيجي عليها يحس بغضب مكتوم جواه، مش قادر يصدق إن دي هي زهرة اللي كان يعرفها، إزاي كل ده حصل وإمتى؟
لما المأذون قال جملته المشهورة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير” زهرة جسمها اتنفض مرة واحدة وطلعت منها كلمة واحدة بالعافية وسط عياطها:
“مظلومة..”
زين ما سمعهاش كويس وسط صوت الورق وهمس الناس اللي موجودين، بس الكلمة رنت جوه صدره كده من غير ما يفهمها.
“إيه؟” سأل نفسه، بس المأذون كان بيكمل كتابة. زهرة كانت موطية راسها في الأرض وعينيها بتحكي وجع سنين، لكن شفايفها مانطقتش غير الكلمة دي اللي تاهت في صمت الأوضة الحزين. مضى على الورقة، إمضة واحدة بس غيرت حياتهم هما الاتنين للأبد.





