حكايات نورهان العشري 1

“كويس أنه قالك كدا. قوله كتر خيرك.. و قوله بتقولك وفرت عليها القضايا. يجهز نفسه عشان نروح للمأذون نطلق رسمي طلاق مفيش منه راجعه.حكايات نورهان العشري

الشارع كان زحمة، بس مكنتش مركزة غير مع صوت دقات قلبي اللي كانت بتضرب في صدري زي الطبلة. كنت ماشية جنب بابا خطوة بخطوة، نفس الخطوات اللي مشيناها من 8 سنين وأنا طايرة من الفرحة ومكسوفة وعيني مش نازلة من عليه.. بس المرة دي كنت بصه قدامي. راسي مرفوعة، ضهري مفرود، ولابسة نضارتي الشمس عشان أداري أي أثر للوجع.

جواد كان ماشي قدامنا ببدلته الميري، هيبته اللي كانت بتخليني زمان اترعش من كتر الاعجاب مأثرتش فيا النهاردة. كنت حاسة بنار بتاكل فيا نار الكسرة، ونار الـ 8 سنين اللي ضاعوا هدر، بس حلفت ميت يمين ولا دمعة تنزل.. ولا دمعة تخليه يحس إنه لسه كاسرني.

دخلنا مكتب المأذون. الأوضة كانت ضيقة، ريحة الورق القديم والخشب مالت المكان. قعدت على الكرسي بكل برود، وحطيت رجل على رجل. جواد قعد قصادي، وعينيه كانت بتتحرك عليا بـ دهشة مكنش قادر يخبيها. هو كان متوقع إيه؟ متوقع إني هنهار؟ هعيط؟ هترجاه عند رجله عشان خاطر العيال وعشان خاطر حلم طفولتي؟

المأذون بدأ يجهز الورق، وطلب بطاقتي. مدت مأيدي بكل ثبات وادتهاله. لما جه وقت الإمضاء، مسكت القلم بـ إيد ثابتة، إيد مهتزتش لثانية واحدة، ومضيت بسرعة وكأني بمضي على عقد بيع شقة مش عمري!

بعد ما مضيت، نزلت القلم بهدوء، وسندت ضهري لورا، وبصيت في عينيه.. بصيتله بـ جمود و هدوء قا.تل، عين في عين، ومستنياه ينطق. مستنياه يرمي اليمين اللي كان فاكر إنه سيف على رقبتي.

جواد كان وشه بيجيب ألوان، الغضب والدهشة والاستنكار كانوا باينين في حواجبة المعقودة ونفسه العالي. نظراتي الباردة كانت بتدبح كبريائه كـ ظابط راجل متعود الكلمة كلمته. حكايات نورهان العشري

في اللحظة دي، عمي علي اللي كان قاعد جمبنا وبيهز في رجله بتوتر، مقدرش يستحمل الصمت المشحون دا، فك ياقة قميصه واتدخل بصوت مخنوق:

“يا ولاد.. استهدوا بالله، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فكروا كويس، في بينكم عشرة وأولاد، والبيوت مبيتهدش بالسهولة دي.”

قبل ما جواد حتى يفتح بوقه أو يفكر، رديت بلهفة وجمود، كلام طلع زي الرصاص قاطع لكل حبل رجوع:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *