يتيمة الصعيد كاملة بقلم مايا خالد
إن نيلي كانت في اللحظة دي قاعدة لوحدها على مقعد في محطة القطر، ماسكة شنطتها، والتذكرة في إيدها…
والقطر بدأ يتحرك بالفعل.
قبل انطلاق القطر بثوانٍ، كانت نيلي قاعدة جنب الشباك، حضنة شنطتها الصغيرة، وعينيها ثابتة على الرصيف.
ولا دمعة نزلت… كأنها خلصت كل دموعها في دوار الهواري.
طلعت صورة أبوها من شنطتها، ومسحت عليها بإيد مرتعشة.
همست: سامحني يا بابا… مقدرتش أحافظ على وصيتك. أنا تعبت… والله تعبت.
صفّر القطر، وبدأ يتحرك ببطء.
في نفس اللحظة… كانت عربية سليم بتشق طريقها بسرعة جنونية.
الغفير اللي جنبه قال بخوف: “هدي السرعة يا سليم بيه!”
لكن سليم كان ضغط على الدركسيون لدرجة إن مفاصله ابيضت.
كل اللي بيرن في ودانه صوتها…
“هو عشان أنا يتيمة وماليش ضهر تعملوا فيا كده؟”
ضرب الدركسيون بإيده وهو بيصرخ: “استحملي يا نيلي… بالله عليكي استحملي.”
وصل المحطة نزل يجري كالمجنون نيلي!
لف بين الناس يبص في كل وش.
يسأل كل واحد يقابله “شوفتوا بنت لابسة عباية سودة؟ ولا حد رد عليه.
وفجأة لمح آخر عربية في القطر وهي بتبعد وقف مكانه..
كأن الدنيا اتسحبت من تحت رجليه.
ركبته خانته، ونزل على الأرض.
لأول مرة في حياته… بكى.
دموع نزلت من راجل عمره ما عرف يعني إيه ضعف بعد أسبوعين… الصعيد كله كان بيتكلم سليم الهواري قلب الدنيا “دور عليها في كل المحافظات.”علق صورتها في كل حتة ووعد بمكافأة كبيرة لأي حد يوصله ليها.” لكن… ولا أثر كل يوم كان يدخل أوضتها يقعد على سريرها يبص للهدوم اللي سابتها ولأول مرة يكتشف إنها كانت عايشة بينهم في صمت.
لقي كشكول قديم تحت المخدة فتحه…
أول صفحة مكتوب فيها:
“أنا بخاف من سليم… لكن لما بيكون بعيد، بحس البيت كله مخيف. يمكن هو بيكرهني… بس وجوده كان بيطمني.”
قلب الصفحة النهارده مرضت، ومحدش سأل عليا… إلا سليم. حط العلاج قدام الباب ومشي. يمكن عملها شفقة… بس أنا فرحت.”
الصفحة اللي بعدها خلت نفسه يتقطع.
“أنا بحبه… من وأنا صغيرة. وعارفة إنه عمره ما هيبصلي. هو شايفني حمل فرضه عليه بابا قبل ما يموت.”
وقع الكشكول من إيده وسند راسه على الحيطة همس بصوت مخنوق:
“وأنا يا غبية… كنت بقسى عليكي عشان كل ما أشوف حد يبصلك، النار كانت بتاكلني من جوا. كنت بخاف أحبك… وأخسرك.”



