روايه كامله 1

ولما واجهته، قال إنه نسيه. رغم إن الموضوع عدى، إلا إن الشك بدأ يكبر جواها، وبعد أيام قليلة، رن تليفونها.

المتصل كان الحاجة سنية.

قالت باستغراب شديد:
ـ هو إنتوا زعلانين مني؟ بقالكم شهرين ما جبتوش يوسف، وكريم بيقول إنك مانعاه يزورني.

ندى اتجمدت مكانها، وسألتها بصوت مرتعش:
ـ هو… كريم مش عندك كل ليلة من يوم ما وقعتي؟

سكتت الحاجة سنية لحظات، ثم قالت:
ـ وقعت؟! يا بنتي أنا الحمد لله بخير… وكريم مجاش عندي ولا ليلة واحدة.

في اللحظة دي، كل حاجة انهارت..ندى بصت للنوتة اللي كانت كاتبة فيها كل يوم: “كريم عند ماما.”

وبصت للأكل اللي كان بيختفي من البيت…
وفهمت إن الحقيقة كانت أبعد بكتير من مجرد كذبة.

في صباح اليوم التالي، جلست هي وحماتها معًا، واكتشفوا إن كريم كان بيحكي لكل واحدة قصة مختلفة.
لندى يقول إن والدته محتاجاه، ولوالدته يقول إن ندى هي اللي مانعة عنها ابنها وحفيدها.

كان بيزرع الخلاف بينهم علشان محدش يسأل هو بيقضي لياليه فين، ولأول مرة، اتحالفت الزوجة والحماة بدل ما يكونوا خصوم…لكن السؤال اللي فضل بدون إجابة كان أخطر من كل اللي عرفوه:
إذا كان كريم ما كانش عند أمه… يبقى كان بيبات فين كل ليلة؟

وفي اللحظة اللي قرروا يبدأوا يدوروا وراه…ماكانوش يعرفوا إن الحقيقة اللي مستنياهم هتدمر حياة أكتر من شخص.
يتبع في الجزء الثاني…🍒👇
الفصل الثاني: خيوط الغزل المقطوعة
البيت اللي كان دايماً مليان دفا وصوت يوسف وهو بيلعب، بقى فجأة زي المحكمة، بس من غير قضاة ولا محامين… ندى والحاجة سنية قاعدين قبال بعض على الكنبة، وبيناتهم الترابيزة عليها كل الأوراق اللي قدرت ندى تجيبها في ساعات قليلة. كشف حساب البنك لآخر ثلاثة شهور، ونوتة صغيرة ندى كانت بتكتب فيها بخط إيدها كل يوم يخرج فيه كريم: “كريم عند ماما”، وفاتورة مطعم مطوية أربع طبقات كانت وقعت من جيب بليزر كريم وهو داخل الصبح بسرعة.
الحاجة سنية كانت ماسكة الفاتورة بكتف مخلوع ونظارة القراءة نازلة على طرف مناخيرها، عينيها بتتحرك بين الأرقام الذهول مسيطر عليها:
ـ “ثلاث آلاف وخمسمية جنيه في عشوة واحدة يا ندى؟! ده كريم طول عمره بيحسب القرش، وبيقولي الصرف الزايد حزام على الرقبة! مين دي اللي يعزمها بمبلغ زي ده وفي نص الأسبوع؟!”
ندى ما كانتش بتبكي، الدموع كانت جفت في عينيها وتحولت لشرار هادي، حسة ببرودة في أطرافها وكأن دمها اتصفى:
ـ “مش العزومة بس يا ماما… بصي في كشف الحساب ده. كل يوم خميس، فيه سحب كاش بنفس المبلغ، وفيه مدفوعات لمحل مجوهرات كبير في الزمالك. السلسلة اللي قال إنه اشتراها لعميله في الشركة عشان شغل، أهيه مكتوبة هنا… وإسوارة ذهب اتقص ثمنها من أسبوعين بس.”
الحاجة سنية حطت إيدها على صدرها وشهقت بالراحة:
ـ “يا مري بك يا كريم… يا خيبة عمري فيك يا ابني! ده أنا مربياك على القرش الحلال، تقوم تكذب عليا وتقول ندى هي اللي حبساك ومنعاك تجيب لي يوسف؟! بقى تعمل بيني وبين مراتك فجوة علشان تخلي جوك فاضي للنزق بتاعك؟!”
ندى قامت وقفت، راحت ناحية الشباك المفتوح، نسيم الصبح بدري كان بيخبط في وشها بس ما كانش بيهدي النار اللي جواها. افتكرت كل ليلة كانت بتسهر فيها تقلق عليه، تجهز له شوربة الخضار والأكل البيتي في حافظة حرارية عشان “والدته المريضة تاكل حاجة نظيفة”، افتكرت لما كانت بتضغط على نفسها وتحرم نفسها من خروجة أو طقم جديد عشان “كريم شايل هموم ومصاريف علاج أمه”. كل كلمة وكل لفتة حنان كانت عبارة عن س/كين بتغرس في ضهرها.
ـ “المهم دلوقتي يا ماما…” ندى لفت وشها وبصت لحماتها بثبات جديد، “…إحنا لازم نعرف المكان. الفاتورة دي من مطعم في الشيخ زايد، والتاريخ بتاعها أول أمس الساعة واحدة بالليل. يعني لما كلمني وقال لي أمه خدت الدوا ونامت، كان قاعد بيشرب واين وبياكل استيك في الشيخ زايد.”
الحاجة سنية طبطبت على المكان الفاضي جنبهما:
ـ “تعالي يا بنتي، تعالي يا ندى. إحنا مش هنواجهه دلوقتي خالص. الراجل لما بيتكشف فجأة بيكذب أكتر وبيعمل نفسه مظلوم ويقلب الطاولة. إحنا نمشي ورا الخيط لحد ما نمسكه من رقابته.”
بدأت الرحلة من الحسابات الفضولية. ندى افتكرت إنها في مرة، وهي بتمسح عربية كريم عشان يجيبوا ألعاب ليوسف، لقت كارت صغير بتاع شركة توصيل طلبات خاصة بالكمبوندات السكنية الراقية. الكارت كان فيه رقم تليفون ومعلم عليه بالقلم الأ his. ندى مسكت تليفونها، وطلبت الرقم من خط جديد كانت شرياه للمشاوير دي مخصوص.
رد صوت بنت رقيق وسريع:
ـ “أهلاً بك في خدمات الصيانة والتوصيل الخاصة بريزيدنس زايد، أي خدمة يا فندم؟”
ندى بدأت تتنفس ببطء وتغير نبرة صوتها، خليتها هادية وثابتة كأنها سكرتيرة مكتب:
ـ “مساء الخير يا فندم، أنا بسأل عن شقة الأستاذ كريم… إحنا بنأكد على ميعاد الاستلام والتنظيف الأسبوعي، بس العقد مش قدامي دلوقتي ومحتاجة أتأكد من رقم العمارة والشقة علشان مندوب الصيانة.”
البنت على الناحية التانية اتأخرت ثواني، صوت خبط على الكيبورد كان مسموع:
ـ “أيوة يا فندم… الأستاذ كريم… شقة 402، عمارة 12، المجمع السكني ب.’
ندى بلعت ريقها بالعافية، وحست بقلبها بيدق في زوريها:
ـ “تمام يا فندم، والشقة باسم المدام ولا باسم الأستاذ كريم علشان الأوراق؟”
البنت ردت بتلقائية شديدة:
ـ “العقد باسم الأستاذ كريم، بس المدام مريم هي اللي متواجدة دايماً وبترد على المحصلين.”
مريم!
الاسم نزل على ندى زي المية الساقعة في عز التلج. مش مجرد نزوة، ولا سهرة في شقة مفروشة… دي شقة باسمه، وواحدة عايشة فيها واسمها مريم!
الحاجة سنية شاف وش ندى بيصفر، مسكت إيدها بسرعة:
ـ “قالك إيه؟ نطقي يا ندى، في إيه؟”
ندى بصت لحماتها وعينيها زاغوا:
ـ “متجوز يا ماما… كريم متجوز عليا وعامل لها شقة في الشيخ زايد واسمها مريم.”
الحاجة سنية قامت وقفت على حيلها رغم وجع ركبتها، وغضب السنين ظهر في عينيها:
ـ “متجوز؟! يتجوز من ورايا ومن ورا مراته اللي صايناه وشارية خاطره؟! يبيع أصيلته علشان واحدة مقعدها في كمبوند من فلوسه وفلوس شقاك معاها؟! والله ما أنا سايباه، قومي معايا يا ندى.”
ـ “نروح فين يا ماما؟”
ـ “نروح الشقة دي دلوقتي… الصبح بيطلع، وهو زمانه راجع منها أو رايح شغله من هناك. إحنا نروح ونواجه المستخبي، ونشوف مين مريم دي اللي دخلت بيتنا بالسر!”
في الطريق للشيخ زايد، العربية كانت ساكتة تماماً. ندى كانت بتبص من الشباك على الشوارع اللي بدأت تترس زحمة وناس رايحة شغلها. كانت بتفكر في السنين اللي فاتت، ست سنين جواز، أكل وشرب وتعب وتربية ابن، وفي الآخر كافأها بكذبة كبييييرة، كذبة كبرت لحد ما بؤرتها بقت شقة كاملة بأساسها وديكوراتها.
وصلوا الكمبوند، وبفضل حيلة صغيرة مع أفراد الأمن على البوابة، قدروا يدخلوا بعد ما الحاجة سنية قالت بثقة إنها والدة الأستاذ كريم وجاية تفاجئه بأكل بيتي. الأمن ما شكش، هيئة الحاجة سنية ووقارها يدوا انطباع بالأمان فوراً.
وقفوا قدام عمارة 12. الأسانسير كان بطيء، وكل دور بيطلع بيه الأسانسير، كان قلب ندى بيبتعد أكتر عن الحياة.
المطبوعات على الحيطة، الريحة الفاخرة للكمبوند، النظافة… كل حاجة كانت بتقول إن كريم صرف هنا أضعاف اللي كان بيصرفه في بيته الأساسي.
وصلوا الدور الرابع… شقة 402.
ندى قربت إيدها من الجرس، أطراف صوابعها كانت بترتعش. الحاجة سنية زقتها بالراحة وقالت بصوت واطي بس حاسم:
ـ “ارفعي رأسك يا ندى، إنتِ المظلومة ومش خايفة من حاجة.”
ضغطت الحاجة سنية على الجرس.
ثواني مرت كأنها دهور… خطوات خفيفة بدأت تقرب من الباب.
صوت ناعم من جوة قال:
ـ “مين؟ كريم؟ إنت نسيت مفتاحك تاني يا حبيبي؟”
الباب اتفتح…
والست اللي كانت واقفة ورا الباب ما كانتش زي ما ندى ولا الحاجة سنية تخيلوا خالص.
ما كانتش ست متبرجة ولا لابس هيئة خطافة رجالة زي ما البيوت بتصور… كانت بنت في أواخر العشرينات، لابسة دريس بسيط جداً، وشعرها لمُاه ببطاطة صغيرة، وعلى وشها علامات إرهاق وتعب شديد، وفي إيدها إسوارة ذهب مميزة… نفس الإسوارة اللي ندى شافتها في فاتورة المجوهرات.
البنت أول ما شافت الحاجة سنية وندى، اتراجعت خطوة للورا باستغراب:
ـ “أفندم؟ حضراتكم مين؟”
الحاجة سنية دخلت خطوة جوة الشقة من غير ما تستأذن، وعينيها بتكتشف المكان بسرعة… أثاث مودرن راقي، صور لكريم على الحيطة في كل مكان، وصورة كبيرة تجمع بينه وبين البنت دي بفستان زفاف أبيض بسيط!
الحاجة سنية بصت للبنت وقالت بصرامة:
ـ “أنا أم كريم… ودي ندى، مراته وأم ابنه الوحيد.”
البنت اتسمرت مكانها، الألوان هربت من وشها تماماً، وبصت لندى وبعدين للبنت الكبيرة، وشفايفها بدأت اترعش:
ـ “إيه؟ مراته؟! أم ابنه؟! كريم قال لي إن أمه متوفية من زمان… وإنه مقطوع من شجرة وما عندوش أي حد في الدنيا غيري!”
الكلمات نزلت على الصالة زي الصاعقة.
ندى بصت للبنت، والبنت بصت لندى… الصدمة ما كانتش عند ندى وحماتها بس، الصدمة الأكبر كانت في عيون مريم، اللي اكتشفت في ثانية واحدة إن حياتها كلها بالكامل كانت مبنية على وهم كبير أسسه راجل واحد احتراف الكذب على كل الأطراف.
مريم وهي بتبص للصور اللي على الحيطة، دموعها نزلت بسرعة وقعدت على أقرب كرسي وهي مش قادرة تتنفس:
ـ “ميتة؟! ده قال لي إنه يتيم، وإنه بيشتغل شغلانتين بالليل والنهار علشان يبني معانا البيت ده… ده كان بيبات هنا ويقول لي إنه شغال في وردية ليلية في شركة حراسة علشان يوفر مصاريف علاجي!”
الحاجة سنية قعدت جنب البنت المصدومة، وبصت لندى اللي كانت واقفة مش مصدقة حجم الفاجعة. كريم ما كانش بس بيخون… كريم كان بيبني عالمين كاملين، بيكذب في الأول إن أمه مريضة، وبيكذب في الثاني إن أمه ميتة!
وفي اللحظة دي بالذات… اتسمع صوت مفتاح بيدور في قفل الباب الخارجي، وصوت كريم وهو بيدندن أغنية بصوت واطي ومبصوط، وداخل ومسك في إيده كيس مخبوزات طازة…
يتبع في الجزء الثالث…

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *