تمن الرحيل بقلم محمد نور

الدفع لم يكن تعويضاً… بل كان ثمن الرحيل الذي لم يكتمل

​قضيتُ ثلاث سنوات إلى جوار إبراهيم العلي.

عشتُ في قصره الفاره، قدتُ أفخم سياراته، استخدمتُ بطاقاته المصرفية المفتوحة، وأنجبتُ له طفلين.

لكنني خلال تلك السنوات الثلاث لم أنَم في غرفته ليلة واحدة.

لم يُقدّمني يوماً لأحد على أنني زوجته.

وحين قرر أن يمنحني أربعين مليون ريال لأبتعد، لم يملك حتى الشجاعة ليواجهني بنفسه… بل أرسل محاميه.

​— الآنسة مريم؟ لقد قرر السيد إبراهيم أن تحتفظي بحضانة الطفلين —قالها المحامي وهو يضع ملفاً ضخماً على الطاولة—، سيتم تحويل المبلغ إلى حسابكِ اليوم. وفي المقابل، عليكِ إخلاء القصر خلال ثلاثة أيام وتوقيع اتفاقية السرية.

​كنتُ أُعدّ زجاجة الحليب لابنتي الصغيرة.

ثلاث ملاعق من الحليب المجفف.

ماء دافئ.

ثم رجّ الزجاجة ببطء.

​على السجادة، كان “عمر”، ابني ذو العامين، يبني برجاً من المكعبات. أما “سارة”، التي لم تتجاوز أربعة أشهر، فكانت تبكي بشجن داخل مهدها.

​— الآنسة مريم؟ —أعاد المحامي التذكير بصوت حذر.

— سمعتك.

— ألا ترغبين في مراجعة الشروط؟

— لا داعي لذلك.

​أعطيتُ الزجاجة لسارة ورَفعتُ عينيّ نحو المحامي:

— بمجرد ظهور المبلغ في حسابي، سأغادر.

​رمش المحامي عدة مرات بذهول واضح. ربما كان قد أعدّ خططاً لمفاوضات شاقة، أو توقع أن يرى دموعاً، أو توسلات، أو حتى تهديدات.

لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.

​— السيد إبراهيم قال إنه إذا لم يكن المبلغ كافياً…

— إنه أكثر من كافٍ.

— وهو يرغب أيضاً في زيارة الطفلين مرة كل شهر.

— يمكنه ذلك.

— وسأل إن كان لديكِ أي رسالة تودين إبلاغها له.

​فكّرتُ لثوانٍ معدودة.

ثلاث سنوات من الصمت الجاف.

ثلاث سنوات وأنا أنتظر أن ينظر إليّ ولو لمرة واحدة كأكثر من مجرد أم لورثته.

ثلاث سنوات وأنا أدّعي أن التجاهل لا يؤلمني.

​— ليس لديّ ما أقوله له.

​في ذلك المساء، جمعتُ كل أمتعتي.

عندما أتيتُ إلى القصر قبل ثلاث سنوات، كنتُ أحمل حقيبتين فقط.

وحين غادرته، كنتُ أملك الحقيبتين ذاتهما… الشيء الوحيد الذي ازداد كان أغراض أطفالي.

​في تمام السابعة، كانت السيارة تنتظر أمام البوابة الرئيسية.

أجلستُ عمر في مقعده، وضمتتُ سارة إلى صدري.

في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف في يدي.

كان إبراهيم.

​— هل وقّعتِ؟

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *