زعيم مافيا بقلم محمد نور

في إحدى الليالي الهادئة، جلست سمر أمامه وهي تطوي المناديل الورقية:
— “لا تتحدث عن عائلتك أبداً.”
— “ليس لدي الكثير لأقوله.”
— “كل شخص لديه ما يقوله عن عائلته، وعادة ما يدفعون أموالاً طائلة لأطباء نفسيين ليقولوه.”
— “توفي والدي، وأمي تعيش في مدينة أخرى ونلتفت في الهاتف مرة كل شهر.”
— “وإخوتك؟”
— “لا يوجد.”
— “هذا يفسر الكثير.”
— “ماذا يفسر؟”
— “لديك هالة الولد الوحيد.”
رفع مالك حاجبيه:
— “وماذا يعني ذلك؟”
— “تبدو وكأنك تصاب بالاستياء عندما لا يدور الكون وفقاً لرغباتك.”
اندلعت منه ضحكة قوية قبل أن يستطيع إيقافها. صدم الصوت كلاهما. ابتسمت سمر:
— “هكذا إذن! عليك أن تفعل هذا كثيراً.”
— “ليس لدي الكثير من الأسباب لأضحك.”
— “إذن سقف توقعاتك مرتفع للغاية.”
تلاشى شعورها بالبهجة عندما لاحظت إشعاراً بالمطالبة بالدفع يبرز من حقيبتها. أومأ مالك برأسه نحو الحقيبة:
— “مشكلة؟”
— “مجرد رسالة غرامية معتادة من محصل الديون.”
— “كم المبلغ؟”
— “كثير.”
— “يمكنكِ التفاوض.”
— “تفاوضت.. وتفاوضهم يتلخص في الاتصال بي قبل الإفطار بدلاً من تقديم الإفطار لي.”
نظرت إلى المناديل:
— “كانت أمي مصابة بمرض العضال. تغطي التأمينات جزءاً من العلاج، ودفعتُ الباقي حتى لم يعد لدي ما أدفعه.”
— “تعازيّ الحارة.”
— “ولك أيضاً.”
— “هل لا تزالين مدينة للمستشفى؟”
— “بخمسة وثمانين ألف درهم.”
كان بإمكان مالك إلغاء الديون بمكالمة هاتفية واحدة. كان بإمكانه شراء المستشفى بأكمله. لكنه جلس صامتاً، لأن مساعدتها كانت ستكشف كذبته.

أطلقت سمر ضحكة مريرة:
— “ينظر الناس إلى امرأة مثلي ويظنون أنهم يعرفون سبب معاناتها.”
— “امرأة مثلكِ؟”
— “امرأة ممتلئة القوام.. يظنون أنني كسولة، وأنني آكل طوال اليوم وألوم الآخرين على حياتي. لا يرون مناوباتي المضاعفة، ولا يعرفون أنني أنفقت كل مدخراتي لترتاح أمي.”
— “لستِ مضطرة لتبرير نفسكِ لأحد.”
— “أعلم.”
— “هل تعلمين ذلك حقاً؟”
نظرت إليه، والدموع تلمع في عينيها:
— “في معظم الأيام.”
انقبضت يدا مالك تحت الطاولة. قضى حياته في إرغام الناس على الخضوع، لكنه لم يستطع معاقبة كل غريب جعل سمر تشعر بالضآلة. أربكته هذه الرغبة لحمايتها، كما أربكته تلك الرقة التي شعر بها عندما قدمت له قطعة فطيرة التوت الأخيرة.
— “كُليها أنتِ، فأنتِ بحاجة إليها أكثر مني.”
— “هذا الكلام يبدو أشبه بكلامي.”
— “تعلمتُ من الأفضل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *