زعيم مافيا بقلم محمد نور

عمقت روابطهما في ليالي الخريف الباردة. بدأ مالك يخبر ببعض الحقائق المموهة كقصص خيالية. وصف لها عملاً عائلياً حاصره، واعترف بأن أشخاصاً مقربين منه خانوه، وأنه فعل أشياء يندم عليها. استمعت إليه سمر دون إصدار أحكام:
— “ربما ما زال بإمكانك التغير.”
— “وماذا لو كانت هناك أشياء لا يمكن إصلاحها؟”
— “إذن تتوقف عن إضافة أخطاء جديدة.”
نظر إليها طويلاً:
— “أنتِ تجعلين كل شيء يبدو بسيطاً.”
— “لا، أنا أجعله يبدو ممكناً.. وهناك فرق كبير بين الأمرين.”
غادر مالك المطعم في تلك الليلة وكلماتها ترن في ذهنه.

بعد ثلاثة أيام، دخلت “ليلى” إلى المطعم وهي ترتدي معطفاً فاخراً من الفرو الأبيض، وكان يرافقها “طارق”. كانا يضحكان بصوت عالٍ، مفعمين بالنشاط والغرور. رآهما مالك من الطاولة رقم أربعة. تجمد الدم في عروقه. إذا التقى به طارق وهو بمفرده وبلا سلاح، ستعرف المدينة بأكملها أن مالك الرشيد لديه نقطة ضعف. خفض مالك رأسه وسحب قبعته المتهالكة على وجهه.

اقتربت ليلى من الطاولة، ورحبت بها سمر:
— “ماذا يمكنني أن أقدم لكما؟”
استعرضتها ليلى من رأسها إلى قدميها بنظرة احتقار:
— “يا إلهي يا طارق! هل يدفعون أجور الموظفين هنا بوجبات الشاورما؟”
ضحك طارق. احمر وجه سمر، لكن صوتها ظل ثابتاً:
— “هل ستطلبون شيئاً؟”
— “كوبان من القهوة السوداء.. بسرعة.”
التفتت سمر نحو الآلة، بينما جالت عين ليلى في المطعم حتى توقفت عند الطاولة رقم أربعة. قطعت ليلى حاجبيها، وظل مالك بلا حركة. تقدمت ليلى نحوه:
— “هذه الساعة تبدو أليفة بالنسبة لي..”
كان مالك يرتدي نسخة مقلدة قديمة كجزء من تنكره، لكن تصميمها كان يشبه ساعة أهداها له طارق ذات يوم. حنت ليلى رأسها لترى وجهه:
— “انظر إلي.”
تحركت يد مالك نحو الخنجر المختبئ في حذائه.

لكن سمر تقدمت فجأة ووقفت بينهما، حادبة ببدنها رؤية ليلى:
— “من فضلك، عودي إلى الطاولة.”
بهتت ليلى ثم قالت:
— “ابتعدي عن طريقي.”
— “لا.”
— “قلت لكِ ابتعدي!”
— “وأنا قلت: لا.”
اقترب طارق:
— “عليكِ الاستماع إليها يا نادلة.”
كانت يد سمر ترتجف، لكنها لم تتراجع:
— “إنه زبون هنا، وليس لديك الحق في مضايقته.”
ضحكت ليلى:
— “هل تحمين مشلولاً شحاذاً؟”
— “أنا أحمي إنساناً.”
— “ألا تعرفين من نكون؟”
— “لا أعرف، ولا يهمني.”
فتح طارق معطفه قليلاً ليظهر مقبض مسدسه. رأى مالك السلاح، ورأته سمر أيضاً. مسكت سمر إبريق القهوة الساخنة ورفعته:
— “ارحلا من هنا.”
ابتسم طارق:
— “وإلا ماذا؟”
— “وإلا سأتصل بالشرطة وأسكب القهوة المغلية في حضنك حتى يصلوا.”
عم الهدوء المطعم. أخرج سائق شاحنة هاتفه، فتغيرت ملامح طارق. يمكنه إرهاب نادلة، لكن انتباه الشرطة والشهود سيخلق مشاكل هو في غنى عنها. أمسك بذراع ليلى:
— “لنذهب.”
أشارت ليلى إلى سمر بقدح:
— “أنتِ مقرفة.”
ردت سمر بصوت يرتجف:
— “قد أكون كذلك.. لكنني لست قاسية.”
مسحت تلك الكلمات الابتسامة عن وجه ليلى. تراجعت وغادرت بسرعة، وتبعها طارق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *