روايه كامله للكاتبه نريمين عادل ١

مرت السنين على الروتين التقيل ده.. أولاد، وبيت، وهموم ما بتنتهيش. وبعد ثلاثة أولاد، ربنا رزقني ببنوتة.. وكانت دي آخر حمل ليا، لأن الدكتور حذرني إن الحمل بعدها ممكن يعرض حياتي للخطر.
كانت بنتي دي روحي وقلب عمري، وكانت في قلب أبويها حاجة ما تشبهش أي حاجة تاني! كان مصطفى بيعشقها عشق ميتوصفش، يدلعها، وينفذ لها كل طلب.. مستحيل حد يرفع صوته عليها أو يقول لها “لأ”. كانت ملكة البيت بلا منازع، تمشي فيه زي نور صغير بيطرد شوية من ضلمة الأيام.
ومرت الأيام.. لحد ما جيه الحلم ده!
حلم غريب، يقلق، وما بيسبنيش. صحيت منه فزعانة وبقول لنفسي: “إيه اللي أنا حلمت بيه ده؟ وليه؟”.. فقلت خلاص، أنساه، ده من الشيطان. بس الحلم رجع تاني، ورجع للمرة التالتة! كأنه بيخبط على باب قلبي بعناد ما بيتمسِكش.
وقفت ساعتها عاجزة، فقلت أروح لأبويا، قلت له: ـ “يا بابا.. أنا بحلم بالحلم ده كتير، إيه تفسيره؟”
ارتبك أبويا شوية، وبعدين قال: ـ “ولا حاجة يا بنتي.. في أحلام مالهاش تفسير، اذكري ربنا وانفثي عن شمالك.”
بس الحلم ما مشيش! بالعكس، بقى أوضح.. الوجوه اللي كانت ضبابية بدأت تتشكل، ومع كل مرة كنت بصحى وكأن في حاجة بتتزاح من على عيني.
وفي ليلة من الليالي، أدركت الحقيقة المرعبة.. الراجل اللي في الحلم كان مصطفى!
قعدت على السرير وأنا برتجف، أبص له وهو نايم جنبي وأهمس لنفسي: “مين الست اللي معاه؟ ليه الحلم ده بيتكرر؟ في حاجة غلط ولا أنا اللي مش فاهمة؟”.. وبعدين استغفرت ربنا بسرعة وقلت: “أستغفر الله العظيم.. مصطفى مش كده، مصطفى راجل محترم ويعرف ربنا.. إحنا عايشين مع بعض بقالنا سنين، عشرة.. يمكن اتناشر سنة، لو كان ناوي يتجوز كان عملها من الأول!”
كنت صادقة مع نفسي.. ما كنتش مقصرة معاه في أي حاجة! كنت بدبر البيت بحرص وأوفر من القرش، وأأجل كل احتياجاتي الشخصية عشان خاطر ولادي، وأقول دايماً: “الفلوس دي عشان الولاد.. عشان البيت.. عشان جوزي”. هو ده تفكير الأمهات، قلب بيوزع نفسه على الكل وما بيشيلش لنفسه ولا حتة صغنونة!
بس الحلم ما سبنيش.. كان بيطاردني زي ما الظل بيطارد الجسد في عز النهار، لا في مفر منه ولا نجاة! بقيت أكره النوم وأخاف منه، أترعب من فكرة إني أغمض عيني فأقع تاني في نفس الدوامة. شغلت نفسي بالبيت، بالولاد، بالزيارات، بالطبخ والتنظيف، مليت أيامي لحد الاختناق عشان أنسى وعن قصد.. بس الحلم ما نسانيش! كان ساكن في صدري، أسمعه جوايا كل ليلة زي النبض التقيل، وأحس بيه بيتمدد في أعماقي بصمت مرعب.





