روايه كامله للكاتبه نريمين عادل ١

المعلمة دي كانت من البندر، جت تتعين في مدرستنا من كام سنة بس، وما كانتش لسه أخدت على عيشة القرى.. عيشة بسيطة آه، بس قاسية على الأحلام، قاسية لما تولد جواكي رغبة أكبر من المسموح لكي بيه.

ولما تميت 18 سنة، وصلت للعمر اللي بنات جيلي كلهم بيتجوزوا فيه؛ العمر اللي بتتأفل فيه كراسات الدراسة، وبتتفتح فيه دفاتر العمر من غير استئذان. وفي يوم عادي جداً، اتقدم لي شاب من البلد اسمه “مصطفى”. ما كانش من عيلتنا ولا قبيلتنا، بس عندنا في البلد ده ما كانش عيب؛ المعيار الوحيد والأولاني كان الأخلاق والدين.

أبويا سأل عنه وعن أصله، عرف إن أخلاقه عالية، فوافق وتمت الجوازة.

وعشنا أيام.. كانت بحق من أجمل أيام العمر! أيام خفيفة زي نسمة الفجرية، هادية زي قلب لسه مجربش الوجع ولا القسوة. سكنّا في بيت العيلة، عمارة كل دور فيها لشاب من الأولاد، وكان مصطفى هو الابن الأوسطاني.. وأنا مراته.

 

وهناك.. عند العتبة دي بالذات، بدأ كل حاجة!

كانت لي سلفة، زواجة الأخ الأكبر، اسمها “مرام”. ست متسلطة، متكبرة، تحب الكلمة تبقى كلمتها، والأمر أمرها، والبيت بيتها! كأن مفيش حد غيرها بيتفهم أو بيتشف. كانت بتتعامل بثقة حد فاكر إن الكون كله اتخلق عشان يلف حواليه، وإن البيوت ما تمشيش إلا بإشارة من إيده هو وبس. نسوان الإخوة هما اللي بيعملوا كل حاجة؛ طبيخ، وتنظيف، وترتيب، وخدمة البيت كله من أوله لآخره.. من غير استثناء، ولا رحمة بالوقت أو بالصحة والجسم.

كنا بنصحى قبل الفجر، الساعة خمسة الصبح بالظبط، لما الضوء يكون لسه بيتشد بالعافية من ورا الشباك، والهواء ساقع كأن الليل لسه ما مشيش. نبدأ تنظيف، وبعده الفطور، وبعدين نجهز للغدا، وندخل في مرحلة العشاء.. وما بين كل ده، شغل ما بينتهيش! مجهود مواصل ما بيعرفش راحة، وما بيسبش في القلب غير الهدد والتعَب. شغل.. شغل.. شغل، وكانت الحياة روتينية، تقيلة، بتعدي ببطء كأن الأيام صورة طبق الأصل من بعضها، ما بقيناش نعرف نقرّق بين الصبح والامبارح!

مر شهر.. والحمد لله.

ما عدتش أيام كتيرة لحد ما عرفت إني حامل! الفرحة ملت قلبي زي ما حصلش قبل كده.. فرحة شبه النور لما يتسلل لأوضة ضلمة فيصحّي كل حاجة فيها. ربنا رزقني بأول مولود، ولد.. كنت شايفاه هو الدنيا كلها، أشيله وكأني شايلا الحياة كلها بين إيديا. كان أول حفيد في العيلة من ناحية مصطفى، وكان جده وجدته طايرين بيه ودلعه مالوش آخر، وكنت شايفه نفسي في النظرات دي أم محاطة بالنعمة والأمان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *