صديقتي بقلم فاتن سليم

— عشان تعب شوية.
— هو هيرجع البيت؟
وأرد:
— إن شاء الله.
كنت بقول “إن شاء الله” وأنا مش عارفة بكرة مخبي إيه.
بعد كام يوم، حصلت حاجة خلتني أنهار.
وزن جوزي نزل خمسة كيلو تقريبًا من أول ما دخل المستشفى.
خمسة كيلو!
من الألم.
والقلق.
والإصابات.
وقلة الأكل.
وقلة النوم.
كنت ببص له وأقول:
“يا رب أنا مش عايزة فلوس.”
“ولا عايزة عربية.”
“ولا عايزة بيت أكبر.”
“أنا عايزة جوزي يقوم ويمشي على رجليه.”
وفي يوم، دخل الدكتور علينا.
قال:
— الحمد لله، حالته بدأت تتحسن.
أنا مسكت إيده.
— بجد؟
ابتسم وقال:
— أيوه، الحمد لله.
ثم قال:
— أول 48 ساعة كانوا أهم مرحلة.
وقتها حسيت إن ربنا رجعلي روحي.
سجدت لله في المستشفى.
مش فارق معايا الناس بتبص عليا إزاي.
كنت بس بقول:
— الحمد لله يا رب.
الحمد لله إنك ما أخدتوش مني.
الحمد لله إنك كتبتله عمر جديد.
الأيام عدت ببطء.
يوم أحسن.
ويوم أصعب.
مرة ترتفع حرارته.
مرة الألم يزيد.
مرة أكون متفائلة.
ومرة أنهار في الحمام لوحدي عشان محدش يشوفني.
لكن مع كل يوم…
كان بيرجع خطوة للحياة.
بدأ ياكل أحسن.
بدأ يتكلم أكتر.
وبعد فترة بدأ يقعد.
وبعدين وقف بمساعدة الدكتور.
وفي أول مرة وقف فيها…
أنا كنت بعيط.
هو بصلي وقال:
— بتعيطي ليه؟
قلت:
— عشان أنا أول مرة أشوفك واقف بعد اللي حصل.
قال:
— هقف وأمشي وأرجعلك.
قلت:
— وترجع لابنك كمان.
ابتسم.
وقال:
— ولابني.
بعد خروجه من المستشفى، حياتنا اتغيرت.
الشغل لسه مش زي الأول.
والفلوس قليلة.
والمصاريف كتير.
لكن أنا اتعلمت درس عمره ما هيروح من بالي.
زمان كنت بقول:
“جوزي بياخد عشرة آلاف ومش مكفيين.”
دلوقتي لما حد يسألني:
— أخبار جوزك إيه؟
أقول:
— الحمد لله، ربنا مد في عمره.
وبس.
لأن المرتب مهما كان كبير…
مفيش مرتب يساوي الصحة.
ومفيش فلوس تشتري عمر جديد.
ومفيش كنز أغلى من إنك تفتح عينيك الصبح وتلاقي الشخص اللي بتحبه جنبك.
أما صاحبتي…
فهي فضلت صاحبتي.
لأني عارفة إنها مكنتش قاصدة.
ولا قالت كلام وحش.
ولا تمنتلي حاجة وحشة.
يمكن هي كانت بتسأل من باب الفضفضة.
ويمكن كانت مستغربة من المصاريف.
لكن أنا نفسي اتعلمت حاجة مهمة:
مش كل نعمة لازم نحكي تفاصيلها.
ومش كل سؤال لازم نجاوبه بالأرقام.
ومش كل حاجة حلوة في حياتنا لازم الناس تعرف قيمتها.
لأن العين حق.
والحسد حق.
لكن كمان…
مش كل مصيبة تحصل معنا لازم نربطها بشخص.




